تشير الاحصائيات الى ان اكثر من 160 الف شخص لقوا حتفهم العام الماضي في اوروبا وامريكا نتيجة اصابتهم بمرض السرطان وهو ما يعطي دلالات قاطعة على انه وبرغم الطفرة الهائلة التي تحققت بهذه الدول في وسائل وتقنيات علاج الامراض المستعصية ومنها السرطان, إلا ان ذلك الاخير مازال على ما يبدو خارج حدود السيطرة. وفي دولة الامارات التي شهدت في السنوات الاخيرة تقدما مذهلا في الخدمات الطبية حققت علاجات السرطان خاصة بمركز الاورام بتوام نجاحا كبيرا جدا فاق التوقعات وهو ما يفسر قدرة المستشفى على اجراء العديد من العمليات الجراحية لحالات نادرة وصعبة والتي تجري لأول مرة بالمنطقة بنجاح كبير. وعلى الرغم من كل ذلك إلا ان مستشفياتنا ومؤسساتنا الصحية مازالت في دائرة الاتهام فبالرغم من كل هذا التقدم وتلك النجاحات.. فالشكوى دائمة ومتكررة من وجود قصور هنا او اهمال هناك ولان الاكتشاف المبكر للامراض المستعصية كالسرطان يعد الخطوة الاولى في الاتجاه الصحيح نحو العلاج فإن التشخيص للمرض ومنذ البداية يعتبر شرطا اساسيا لبلوغ هذه الغايات. وفي مستشفى توام الذي يضم اكبر واشهر مركز لعلاج الاورام على مستوى منطقة الخليج الآن حيث يجرى استقبال وعلاج مئات المرضى من بعض دول مجلس التعاون الخليجي يؤكد الاطباء القائمون على المركز ان ما حققه من تطور وشهرة امر يدعو للفخر والاعتزاز.. ولكن يبقى السؤال الى اي مدى نجح مركز الاورام في تشخيص حالات السرطان؟ وهل يمتلك المركز الامكانيات اللازمة للتعامل مع كل الحالات؟ وكيف يعلل الاطباء المختصون التضارب الذي يحدث احيانا في تشخيص بعض الاصابات؟ وماذا يقول مرضى الاورام عن تجاربهم في التشخيص والعلاج؟ رصد نشوء المرض الدكتور فلاح الخطيب استشاري ورئيس قسم علاج الاورام بالاشعة في توام يؤكد بداية على ان السرطان يمر عبر الاصابة به بمراحل متعددة اولها نشوء المرض بحدوث خلل في خلايا معينة بالجسم.. وقد يستغرق نشوء المرض فترة تتراوح بين 10 سنوات و15 سنة وهو ما يعني ان هناك فترة زمنية طويلة يمر بها السرطان منذ حدوثه موضعيا في الجزء المصاب بالجسم وحتى الوصول الى امكانية اكتشافه بفحص الانسجة مخبريا ثم ظهوره بعد ذلك بشكل يرى بالعين المجردة مصحوبا باعراض وعلامات معينة ثم انتشاره. ويضيف الدكتور الخطيب ان خطورة المرض تكمن في عدم ظهور اي اعراض مرضية له في المراحل الاولى لظهوره وتختلف سرعة ظهور وانتشار الاصابة تبعا لاختلاف المرض. فقد يكون المرض مصحوبا باعراض معينة خلال فترة معينة من مراحل تطوره كحدوث بعض التغييرات في الجسم التي يمكن في ظل التقنيات الحديثة اكتشافها. ويدلل الدكتور الخطيب على امكانية الاكتشاف المبكر للسرطان ويأخذ سرطان عنق الرحم كمثال ويقول: لقد اجرينا مسحا عاما لشريحة كبيرة من النساء بدءا من عمر 20 سنة فما فوق ووجدنا ان هناك بعض التغيير موجود في الخلايا اي ان نسبة كبيرة منها مصاب. ويؤكد اهمية الاكتشاف في هذه الحالة حيث يمكن استئصال عنق الرحم المصاب عند هذه المرحلة المبكرة بصورة لاتعيق عملية الانجاب. ويضيف اذا وجدنا ان الاصابة بالسرطان هنا في بدايتها ومازالت محصورة في عنق الرحم فانه يمكن ايضا ازالة الجزء المصاب وعلاجه بالاشعة بنسبة شفاء مضمونة لاتقل عن 90% اما اذا اهمل المرض فانه يأخذ في الظهور ويصاحبه التهاب ونزيف وتتضاءل نسبة الشفاء بين 60 و70%. ويأخذ استشاري علاج الاورام بالاشعة في توام سرطان المعدة كمثال آخر للتدليل على امكانية الاكتشاف المبكر والوقاية من السرطان ويقول ان الاحصائيات الحديثة تشير الى تراجع نسبة الاصابة بسرطان المعدة والمريء عن السابق بدرجة كبيرة ويرجع ذلك الى تغيير انماط الطعام والاتجاه الى تناول الخضروات والفاكهة الطازجة بكميات اكبر بالاضافة الى التقنيات الحديثة التي ساهمت في اكتشاف المرض في وقت مناسب من خلال اجراء المسوحات المبكرة بالمناظير كما هو متبع الآن في امريكا واوروبا واليابان. اهمية الاكتشاف المبكر وكمثال آخر يتطرق الدكتور الخطيب الى سرطان الرئة الذي كان وحتى وقت قريب يعد السبب الاول للوفاة ويؤكد ان نسبة الوفاة بالمرض في تراجع كبير الآن بسبب كثافة حملات التوعية بخطورة التدخين والفحص الدوري باستخدام الاشعة الذي ادى تحديدا الى تراجع الاصابة بسرطان الثدي عند المرأة بفضل الاكتشاف المبكر للمرض. ويشير الخطيب الى ان برنامج الاكتشاف المبكر لمرض السرطان الذي تتبناه وزارة الصحة منذ وقت طويل حقق نجاحا كبيرا في تقليل نسبة الاصابة ببعض الامراض خاصة بسرطان الثدي وعنق الرحم اللذين يشكلان نسبة 10%, 8% من اجمالي اصابات المرأة بالسرطان. ويؤكد استشاري علاج الاورام بتوام على اهمية برامج التوعية في اكتشاف وعلاج السرطان في ظل وجود الاجهزة والتقنيات الحديثة والمتطورة والكادر الطبي والتمريضي المؤهل القادر على تحديد المرض وكيفية التعامل معه مشيرا في هذا الصدد الى الامكانيات والتجهيزات الحديثة المتطورة التي تمتلكها توام ومن بينها جهاز فحص الثدي بالحاسوب والذي تبلغ قيمته وحده مليون درهم. وردا على سؤال حول الجدل الذي يدور بين الوقت والاخر بسبب وقوع خطأ في التشخيص او العلاج لبعض الحالات اوضح الدكتور الخطيب انه لايوجد هناك طبيب لايسعى لان ينال رضى المريض.. كما لايوجد طبيب يتعمد ان يؤذي المريض.. وكشف في هذا الصدد عن ان هناك نسبة تتراوح بين 15, 20% من حالات الاصابة بالسرطان يصعب تشخيصها على الرغم من كل هذا التقدم والنجاحات وعزا ذلك الى صعوبة الوقوف على مصدر نشوء الورم بدقة في هذه الاصابات التي تنتشر الى اكثر من جزء بالجسم وهو ما يفسر ارتفاع نسبة الوفيات بالمرض في امريكا واوروبا. ويؤكد الدكتور فلاح الخطيب قدرة مركز علاج الاورام بتوام على تشخيص وعلاج كل حالات الاصابة الواردة الى المركز باستثناء نسبة تتراوح بين 4 الى 5% يتم تحويلها الى الخارج وجميعها لحالات نقل الاطفال خاصة تلك التي تحتاج الى مراكز متخصصة لاتوجد حتى الآن الا في دول قليلة معينة. انخفاض نسبة الوفيات ويقول الدكتور بنى نينني نورى المتخصص في العلاج الكيميائي للاورام بتوام ان الاكتشاف المبكر للسرطان ساهم وبدرجة كبيرة في تخفيض نسبة الاصابة بالمرض خلال الثلاثين عاما الأخيرة ومن هنا جاء تأكيد أهمية برامج الاكتشاف المبكر للمرض مما يساهم في عملية العلاج وصولاإلى الشفاء, أما إذا تأخر التشخيص فقد يستعصي العلاج باستثناء بعض الحالات مثل اصابة الخصية عند الرجل والغدد الليمفاوية لأنها تستجيب بقدر أكبر للعلاج. أما الدكتورة فاطمة محمد الدرمكي التي تسعى للحصول على البورد العربي في طب الأسرة, فتؤكد ان دولة الامارات قطعت شوطا كبيرا على صعيد اكتشاف وعلاج الأمراض المستعصية ومنها السرطان الذي يجب ان يبعد الناس عن أذهانهم بأنه غير قابل للشفاء, وتؤكد هنا بدورها على أهمية الاكتشاف المبكر والذي يلعب فيه طبيب العائلة دورا رياديا باعتباره المطلع على تاريخ المرض عند الشخص المصاب وأفراد العائلة. وتسترشد الدكتورة الدرمكي بالنتائج الممتازة التي تحققت من خلال برنامج (المسوحات) الذي تتبناه وزارة الصحة بهدف الاكتشاف المبكر لحالات الاصابة بسرطان الثدي وعنق الرحم. شهادات المرضى وفي جولة لنا داخل العنبر الخاص بمرض الأورام بمستشفى توام كانت لنا وقفة مع بعض المرضى للتعرف على حقيقة معاناتهم من المرض خاصة خلال المراحل الأولى للتشخيص والعلاج. البداية كانت مع كرستين ماكدافيتش (45 سنة) اسكتلندية ومقيمة في دبي والتي أشارت إلى انها اكتشفت اصابتها بالسرطان عندما فوجئت بظهور ورم على الثدي الأيسر تمت ازالته باحدى المستشفيات الخاصة الشهيرة في دبي بعد التشخيص واخضاعها لعلاج كيماوي إلا ان الورم عاد للظهور في يوليو الماضي فتم تحويلها إلى مستشفى توام حيث تخضع الآن لبرنامج علاجي بالأشعة. ويعتبر المريض راشد حسن خلف (44 سنة) عراقي الجنسية نموذجا لتلك الحالات التي يؤدي الخطأ في تشخيصها إلى حدوث مضاعفات وبالتالي صعوبة وتأخر العلاج. بدأت معاناة خلف كما يقول بشعوره بآلام متكررة باللثة وبعد تردده على عشرات الأطباء والعيادات في العراق لمدة عامين تم اكتشاف الاصابة بالسرطان ولأن العراق يعاني الآن من ترد كبير جدا في الخدمات العلاجية نتيجة للأوضاع والظروف السائدة هناك قدم راشد للامارات التي يتردد عليها كثيرا باعتباره رجل أعمال, حيث تم تحويله مباشرة إلى مستشفى توام حيث خضع لبرنامج علاجي مكثف. يؤكد خلف الذي بدا عليه بوضوح الارتياح والاستقرار انه يعتبر نفسه محظوظا جدا بالعلاج في توام التي تتمتع بمستوى راق جدا ومتقدم يضاهي أكبر المراكز العلاجية في أمريكا وأوروبا. التشخيص الخاطئ المواطنة (ع.ع.ط) ـ50 سنة ـ نقلها ذووها إلى احدى المستشفيات الخاصة في الشارقة لعلاجها من ورم بالغدة الدرقية إلا انها عانت من مضاعفات خطيرة كادت ان تودي بحياتها وبعد اتصالات مع ادارة مستشفى توام تم نقلها إلى المستشفى في حالة حرجة حيث وضعت في العناية المركزة لمدة يومين أجريت لها بعد ذلك فحوصات واخضعت بعدها لبرنامج علاجي مكثف بالكيماوي والاشعة شعرت بعده بتحسن كبير. ويؤكد احد أبناء المواطنة الذي كان متواجدا معها في غرفتها ان حياة والدته كانت مهددة بالخطر نظرا لعدم دقة وجدوى العلاج في المستشفى الخاص وان مستوى الخدمة العلاجية في توام لا يقل بأي حال عنه في أرقى المراكز العالمية وأكثرها تطورا.