ليس تناقضا أو خلطا للمعاني والمفاهيم ان يحتوي رمز الأم العديد من القيم والمحاور والأبعاد الانسانية, فإذا كانت الأم هي نبع حنان لا ينضب, هي ذاتها وبقوة الحنان نفسها تقسو وتربي وتوجه. فهي التي ترضع صغارها كل رموز المعاني مع قطرات حليبها الأولى , فيرضعون حنانا طبيعيا وعندما يشبعون يخطون خطواتهم الأولى لتلقنهم دروسهم الأولى في فن الحياة وما أكثر فنون الحياة.. وتلقنهم مواكبة الجمال فيها. تعلمهم أولا التعرف على الألوان ثم تذهب لأبعد من ذلك فتهمس لهم بدلالاتها وإيحاءاتها, تلقنهم كيفية قراءة الجمال الطبيعي وتذوقه وتشرح دلالاته في الطبيعة فيسبح الصغار والكبار معا بعظمة الخالق, وتردد لهم دائما أهمية استشعار الجمال من حولهم وان الله جميل يحب الجمال. وتوضح لهم ان الجمال معنى وشكل وجوهر مرادف للانسان , فالانسان من دونه لا يرتقي للمراتب العليا التي يليق بها خليفة الله في الأرض. تقرأ معهم معاني ولمسات الجمال في اللوحات والجداريات فتغرس فيهم بالفطرة حب الفن وتقديره وتذوقه لأنه جزء لا يتجزأ من الملحمة الانسانية الشاملة. عندما تعلمهم أبجدية القراءة الأولى, تتدرج معهم لاحقافي تلقينهم معاني الأدب والشعر والنثر بطريقة فطرية سهلة عندما تقص عليهم أجمل القصص والحكايات (حدوتة ما قبل النوم) فيتسع خيالهم مع (الشاطر حسن) و (الأميرة النائمة) ويرحلون مع (سندباد) في مغامراته ثم يزداد خيالهم تحليقا مع ألف ليلة وليلة. وعندما يتدرجون نحو النضج تقرأ معهم آيات الله البينات وتوقفهم على أسمى المعاني وأحلى الكلمات. تنطلق معهم إلى ما هو أبعد, فتلقنهم معنى جمال القيم والفضائل وانها المرادف الجميل والبديع لرحلة الانسانية, فمن دونها يتجرد البشر من انسانيتهم ويتحولون لشخوص عشوائية في مساحات فارغة على الأرض. الأمومة جمال وخير وعدل, ونغم جميل تتمايل معه الأجيال على أوتار الدفء الانساني الرائع التي لا تعزف إلا في أحضان وحضور الأمهات.