سألني أكثر من واحد قائلا: هل يمكن الغاء الشهادة الثانوية العامة؟ قلت له: ولماذا لا يمكن؟ قال هذه شهادة عامة وتعد حصيلة نهاية لما درسه الطالب وهي موجودة على مستوى العالم. قلت له لنقف عند كل كلمة قلتها, فقولك هل يمكن الغاؤها؟ ارد عليه بان الذي أقرها يمكنه ان يلغيها, لأن اقرارها كان باجتهاد بشري وليس بوحي منزل وقولك هذه شهادة عامة أرد عليه بأن السادس الابتدائي كان ينتهي بشهادة عامة والثالث الاعدادي كان ينتهي بشهادة عامة, فألغيت هذه وتلك, وقولك انها حصيلة نهائية لما درسه الطالب, أرد عليه بأن الحصيلة اليوم هي ما تحصد في نهاية كل فصل دراسي وليس في نهاية كل مرحلة, والكتب صارت مجزأة والامتحانات مجزأة بحيث ان الطالب لا يعود في الفصل الثاني إلى ما درسه في الفصل الأول, فالحصيلة لم تعد في الكتاب ولا في الامتحان في آخر العام, بل في ذاكرة الطالب ان كانت له ذاكرة. وقولك بأنها موجودة على مستوى العالم لا أدري ماذا تقصد بالعالم, فإذا كنت تقصد به العالم العربي فإن بعض الدول العربية ألغت الثانوية العامة بشكله التقليدي القديم, ودولة أخرى لها نظامان امتحان مدرسي وينتهي بدراسة 12 سنة ثم يتخرج الطالب وبامكانه ان يعمل وامتحان وزاري وهو لمن أراد مواصلة دراسته الجامعية في تلك السنة أو في أي سنة سنة شاء. وإذا كنت تقصد بالعالم العالم الغربي, فالغرب لا تنظر إلى بداية الدراسة ونهايتها مثلما نحن ننظر, لأنهم لا يعدون الحصيلة الدراسية هي مجموعة المعلومات التي اكتسبها خلال فترة زمنية حتى لو كانت قصيرة, فالمهم عندهم ان يتأهل لمرحلة أعلى, والعمر له قيمة عندهم ـ لذلك فإن عندهم G.C.S.E وعندهم التُوفل والسات, وهي كلها امتحانات أو اختبار تحديد المستوى يدخلها الطالب إذا أراد الالتحاق بالجامعة, وليس شرطا ان تكون مرتبطة بالثالث الثانوي بحيث ان الطالب إذا ما دخله بقي المجتمع من غير عمل وكأنه لم يدخل المدرسة أو لم يدرس نهائيا. إذن فإننا نفهم من هذا ان الامتحان مر بمراحل عمرية, ففي فترة من الفترات كان ينظر له بأنه اختبار عام يجرى للطالب في نهاية العام الدراسي, وعند انهاء كتاب بكامله وهو عبارة عن امتحان تحريري, ثم نظر إليه بأنه تقويم يخضع له الطالب أثناء العام الدراسي أكثر من مرة, ثم نظر إليه بأنه عدة اختبارات خلال التقويم الواحد لأن التقويم يعني استمرارية الملاحظة وشموليتها وبالتالي فإن الطالب ملاحظ ومراقب من قبل المعلم طول الوقت, ومحاسب على كل تصرفاته, وليس ما يكتبه في ورقة الاجابة فحسب, ولذلك فإن المعلم يرصد له درجات على ما لاحظه عليه طول الفصل الدراسي الواحد, وسميت تلك الدرجات درجات أعمال السنة. ومن هنا نستطيع القول بأن الشهادة العامة لم تعد ذات فائدة الآن لعدة اعتبارات: 1ـ يطبق الآن نظام الفصلين في المراحل من الرابع الابتدائي حتى الثاني الثانوي, وبالتالي فإن الثالث الثانوي أحرى بهذا النظام لأنه متمم للمرحلة, بل المراحل وإلا فإن مثله مثل من يطلب من الخياط ان يفصل له كندورة تفصيلا اماراتيا ولكن بشرط ان يركب له (كلر أو ياقة) بدلا من طربوشة. 2ـ يعمل الطالب في الثالث الثانوي معاملة طالب صفوف النقل, ويأتي في نهاية العام ليمتحن فيما درسه في الفصلين معا, من غير ان يكون له شيء مما اكتسبه في أثناء العام الدراسي, وهذا اجحاف بحقه. 3 ـ تأخذ الجامعة بالنظام الذي تعود عليه الطالب في صفوف النقل, لا ما فرض عليه في الثالث الثانوي, أي ان الثالث الثانوي أصبح سنة شاذة بين المرحلتين. 4 ـ لم يعد العالم ينظر إلى الثالث الثانوي بأنه عنق الزجاجة كما قيل سابقا, لأن الطالب ينتقل من صف إلى صف من خلال منظومة تعليمية واحدة, فهو يتدرج مع نظام الفصلين أو الكورسات أي كل فصل مستقل بذاته, بل كل كتاب مستقل بذاته في المراحل ما قبل الجامعة. بل اكثر من ذلك فإن الكثير من الدول أخذت بنظام الساعات المعتمدة, وبالتالي ليس هناك ناجح أوراسب في نهاية العام وإنما هناك من أنجز المطلوب أم لم ينجز بعد. أما نحن الدول العربية فإننا أوجدنا هوة كبيرة بين الثانوية والجامعة, ومن هنا نشأ البعبع الامتحاني الذي يتخوف منه الآباء قبل الأبناء, ونظرنا إلى امتحان الثانوية العامة بأنه جسر الصراط الممدود بين الجنة والنار, فمن جاوزه دخل الجنة ومن لم يتجاوزه دخل النار وبئس المصير. هذه النظرة قاتلة ومحبطة لجهود الطلاب ولذلك فإننا نعاني من الراسبين الباقين للاعادة, فمنهم من يعيد امتحان الثانوية العامة خمس سنوات ومع ذلك لا ينجح ولو بحثت عن سبب فشله لوجدت انه يرسب كل عام في مادة معينة, والفارق بينه وبين الناجح خمس أو عشر درجات. انني اتساءل, هل وجد الامتحان ليقيس قدرات الطلاب ويحفزهم على مواصلة الدراسة؟ أم وجد ليحيط بهم, ويقتل فيهم روح الأمل, ويصابوا من جرائه بأمراض نفسية وتشنجات لا علاج لها. هذه الظواهر لا توجد في الغرب لأنهم ينظرون إلى الطالب نظرة شمولية تكاملية وبالتالي فإنهم يأخذون في الاعتبار الأصلح للطالب, فإذا كان الأصلح للطالب ان يرفع رفع, وإذا كان غير ذلك عولج بما يستحقه. أما نحن فإن علاجنا يتسم بكثير من المواقف العدوانية, وكأننا نعتمد ان يكون لنا ضحايا, مثلنا مثل بعض رجال المرور الذين تبعثهم إدارة المرور بحسن نية لمراقبة الشوارع, وتحرير المخالفات إذا وجدوا مخالفين. إن تعليمات المرور واضحة, لكن هؤلاء لا يطبقونها صحيحة, بل يفهمون ان دفتر المخالفات فرصة ذهبية في أيديهم, وبالتالي فإنهم يحاولون ان يعودوا إلى الادارة في كل يوم بضحايا, والا اعتبروا أنفسهم لم يطبقوا قانون المرور, والصحيح ان المرور وضع القانون أساسا للتحذير والردع أما التغريم ففي بعض الحالات التي تجاوزت الحد. لذلك أقول ان النظام سلاح قاتل في يد مستخدمه أيا كان, سواء كان معلما أو رجل مرور أو طبيبا أو قاضيا أو فراشا, فمن المهم جدا ان يستحضر الانسان المكلف بمهمة ضميره الحي لا ضميره الميت, وان يتصور نفسه في موقع ذلك المسكين, وأن يفكر في ان دوره علاجي وليس انتقاميا. تصور لو كان كل واحد منا بهذه الصورة لساد الدنيا العدل والأمان وارتاحت القلوب والنفوس, ولما احتجنا إلى القوانين الصارمة, وصدق من قال: العدل في ضمير القاضي وليس في نصيّة القانون. ثم ان اعادة النظر في النظام التعليمي أو النظام الامتحاني ليس عيبا, بل هو المطلوب إذا أردنا مواكبة العالم. ألا ترى اننا لم نعد في معزل عما يجري في العالم اليوم؟ فأبناؤنا يدرسون في جامعات العالم وأسواقنا مفتوحة على العالم. قل لي بربك ما فائدة النظام التعليمي أو الامتحاني إذا لم يكن يلبي احتياجات السوق أو إذا لم نستفد منه في حوارنا مع العالم؟ لذلك فإن البحث عن جديد يعود علينا بالنفع أفضل من التمسك بقديم يعزلنا عن العالم. فلنتجدد ونجدد ونضع في اعتبارنا المعايير الخمسة التي تتبين من خلالها هويتنا وهي العقيدة السليمة واللغة القومية والانتماء الوطني والعُرف المحلي والمصلحة العامة.