الحياد من السلوكيات صعب التحقيق والتوصل اليه قد يعد من باب العدالة والانصاف الذي يبحث عنه الناس في الارض فيسمعون عنه في السماء, وبهذا قد يؤصل لعدم وجود مدينة فاضلة في اي مجتمع مهما كان راقيا في سلم المبادىء والقيم, فمن هنا نجد انه من الاسلم لنا ان نعود انفسنا تدريجيا على النسبية الاجتماعية عندما نتناول الحديث حول مبادىء مطلقة في الاستعمال, كالخير, والحق, والجمال والمساواة, والعدالة وغيرها مما لا نريد هنا اللحاق به وحصره . مناسبة هذا الحديث هي الاعلان عن (منحة موريس للمؤسسات الخيرية) من قبل شركة فليب موريس, وهي عبارة عن برنامج يهدف الى تقدير الجمعيات التي تعنى بالمعاقين والمسنين في دول مجلس التعاون الخليجي. فالخير ونشره في العالم اجمع مبدأ يسعى اليه كل البشر وهنا يمكن اطلاق نعت المطلق عليه على اساس من المعنى العام في تناول حل المشكلات الاجتماعية عن طريق العمل الخيري العام والخاص في الوقت ذاته بالفئات المحتاجة لاسباب خارجة عن ارادتها النفسية, وان كانت ضمن الارادة الكونية التي تضع في حسبانها وجود المحتاج الى العون في كل مكان وزمان. ولهذه المنحة صفات قد لا تتوافر في المنح الاخرى التي نسمع عنها بين فترة واخرى, كالتي تصرف لطلبة الجامعات غير المقتدرين ماديا على اتمام تعليمهم او حتى بناء الجامعة نفسها. فلقد اوضح مدير الشئون المؤسساتية في منطقة الشرق الاوسط لدى الشركة بان المنحة لا تسعى الى خلق جو من المنافسة بين الجمعيات او الى تمييز مؤسسة عن اخرى, بل على العكس ترى الشركة ان الاعمال والنشاطات الخيرية كافة التي تخدم المجتمع تستحق التقدير, واستطرادا فان المنحة تهدف الى تقدير العمل النبيل والمميز الذي تقوم به الجمعيات كافة, وتسليط مزيد من الضوء على مساهماتها الاجتماعية. يبدو ان جو المنافسة المحمومة والحماس الزائد لحمل الخير ينشيء نوعا من الجدية في التعامل مع مفهوم الخير ذاته او الخير المجرد عن المحسوبية بدل اشاعة جو الحيدة والانصاف والاعتدال صعب المنال. فالمنحة لا تهدف الى تأجيج روح المنافسة الشريفة لانها خيرية ولا تفرق في الخير عملا على آخر ولاتحرض جمعية على اخرى حتى تسبقها وتقتنص الفرصة لكسب موضع قدم هنا او هناك وان كان مشروعا من الناحية الفعلية, ولا غبار عليه ومع ذلك هناك من يطالب بعدم التفرقة بين كل اعمال الخير حتى لا تتحول تلك المنافسة وذلك التميز الى جو آخر يبتعد عن الخيرية بمسافة قد تقربها الى خط الشر الساخن. فقديما قيل في باب الموازنات الاخلاقية عند الشروع في تطبيقها على ارض الواقع عن الفقيه النحرير او الضليع ليس الفقيه من عرف الخير والشر لانهما معروفان فطرة منذ الأزل وقل أن يختلف عليهما اثنان بالمفهوم العام ولكن الفقيه الحقيقي من ادرك خير الخيرين ثم عمل به اي بالافضل وشر الشرين فاجتنبه الى الشر الادنى. ان الله جل في علاه وسع دائرة الخير حتى وصف الحجارة بأنها تتشقق من خشية الله ويخرج منها الماء, فقلوب البشرية حتى وان وصلت الى قسوة الحجارة او اشد قسوة فلابد من المحاولات تلو الآخرى حتى تتفجر منها أنهار الخير المطلق وليس المقيد.