قالت التربية قولتها في الصحافة والصحفيين دون استثناء وأبانت عن سريرتها التي ظلت طي الكتمان لسنوات وأخريات لديها نفس الموقف الا انها لم تصل بعد الى درجة الافصاح عن مكنونها وكان يخرج احيانا بالافعال التي تمارس ضد عمل الصحفيين في مصادرهم وميادينهم وكل مؤسسة من تلك تريد نوعا من الصحافة تقع تحت عنوان (صحيفة اللا خبر واللا رأي) الا رأيها وخبرها وصورها التي لا ترضى بها الا ان تكون في أعلى الصفحة وتضيق ذرعا بنا معشر الصحفيين والكتاب اذا حدث خلل طارئ في يوم ما في ترتيب صور البعض, فاذا بالعلاقات العامة تهرول تجاه المدير او الرئيس حاملة معها كافة الاسلحة المعنوية لايصال البرقيات السريعة وبطرق غير مباشرة حول ذلك الخطأ الفاحش وغير اللائق من وجهة نظر المؤسسة المعنية. فما قصة صحيفة (اللاخبر واللا رأي) والمطلوب احياؤها او انشاؤها على وجه السرعة لعلها تصلح ما بيننا وبين بعض المؤسسات الخدمية بالدولة والتي لا تطيق الا فراقنا والى الأبد, وقد تظنون بأن هذا الشعور محلي بحت, ولكن ما سأقوله هنا يشارك هؤلاء فيه من الخارج ايضا اقوام آخرون, فما حكاية صحيفة (اللا خبر واللا رأي) تلك التي تريح وتخفف من الارهاق النفسي الذي يعاني منه بعض المسئولين في دوائرنا؟!! فلهؤلاء نقول ونسرد قصة رسام هولندي مستاء من نفوذ وسائل الاعلام وسئم من تحول العالم الى (قرية كبيرة) فقرر ان يصدر صحيفة لا يعكر بياض صفحاتها اي خبر. واطلق (هانزبوسمان) مؤسس هذه الصحيفة وناشرها ورئيس تحريرها والصحافي الوحيد فيها (صحيفة اللا خبر) من دون اخبار فعلا. وأوضح هانز بأن الناس يعانون من الارهاق النفسي ويرزحون تحت سيل متواصل من الانباء تطلقها وسائل الاعلام. لم يعد بامكاننا ان نصنف الاخبار. أردت ان أخلق واحة وأن اثبت ان العالم يبدو أفضل من دون انباء. ويقول بوسمان انه فخور جدا بالمولود الجديد الذي أصدر منه ألف نسخة في غضون ثلاثة اسابيع عن دار اطلق عليها اسم (الصمت) هل تصمت صحافتنا وتتحول الى صحيفة ذلك الرجل في (اللا خبر واللا رأي) وترتاح من عناء السجال المتواصل بينها وبين الدوائر المعنية بنفسها وغير المعنية بصحافة الدولة لأنها اكبر منها, هذا في الوقت الذي تؤكد فيه دوائر البحث العلمي على الارتقاء بمستوى الصحافة المحلية والموضوعية ولضمان نتائج هذا الارتقاء فإن الدراسات الاعلامية التي تجري بين فترة واخرى في عالمنا العربي تدعو دائما الى توفير الاجواء الديمقراطية الشاملة وتحرير الاعلام من رقابة السلطة وجعل العلاقة بين الاعلام والناس علاقة مباشرة. وكيف يمكن لطرفي المعادلة الاعلامية التحقق من الوصول الى درجة الشفافية المطلوبة اذا ما استمرت ازمة الثقة بينهما كلما تناولت الصحف قضايا المجتمع بشىء من الصراحة والوضوح ولا اقل بكل الصراحة لاننا مازلنا نحبو في هذا الطريق الذي يتمنى البعض ألا يصل الى نهايته. اذا كان حل هذه الاشكالية لدى البعض هو انشاء صحف جديدة ليس فيها رائحة للخبر ولا للرأي, فالامر اسهل مما يتصور, ولن يكلف طالبه اكثر مما كلف صاحبنا الرسام الذي وزع صحيفته فقط على المشتركين الذين بات عددهم تسعة يدفع كل منهم مبلغ 40 فلورين (نحو 19 دولارا) شهريا لتأمل الصفحات الاربع عشرة في كل عدد, مضافا اليها ملحق يتألف من ثماني صفحات خلال عطلة نهاية الاسبوع, فليخوض من يشاء هذه التجربة الفريدة والتي لم تتكرر الى الآن في العالم العربي وان ميلادها في الغرب كان في 22/3/98م فما المانع من دخول البعض الى الالفية الجديدة بمثل هذا الثوب الصحفي الجديد؟!!