لسنا الوحيدين في هذا الهم المزدوج والآتي من قبل الخادمات اللاتي رضع البعض منهن الانتقام حبا والكراهية رفيقا لدربهن وحياتهن, فكل المجتمعات العربية التي تعتمد للضرورة او لغيرها على الخادمات ترفع صوتها عاليا من هذه المعاناة اليومية والعلاج منها مازال بعيدا . ففي القاهرة لم تجد خادمة (13 سنة) طريقة للانتقام من مخدومتها التي اعتادت سبها واجبارها على استخدام المواد الكاوية في تنظيف الشقة سوى دس المادة الكاوية نفسها في زجاجة ارضاع طفلة ربة البيت التي لا يتجاوز عمرها (45 يوما) فقط. أصيبت الرضيعة من جراء هذه الجريمة ـ التي تغتال البراءة وتترك المسيئ ـ باصابات خطيرة وتسمم والتهابات في الامعاء والمريء والحنجرة, كل هذا لأن الخادمة لا تريد ان يقال لها افعلي او لا تفعلي وتعتبر هذه الاوامر التي لا يخلو منها بيت في كثير من الاحيان سبا وشتما وقسوة وكأنها لو تركت على حالها لفعلت الخير كله وهي لا تدرك الفرق بين الصح والخطأ الا بالتوجيه السديد والسليم. هذا نمط لخادمة في البيت, فلو انتقلت خدمتها الى المدرسة حيث مبادئ التربية والتعليم هي معالم بارزة فيها, فهل يختلف الحال عما يحدث في المنازل والدور؟! ففي القاهرة أيضا, انتهزت خادمة في مدرسة ابتدائية فرصة انتظار تلميذ بالمدرسة ـ 7 سنوات ـ لوالدته بعد انتهاء اليوم الدراسي لتصطحبه الى المنزل وأجبرت الخادمة التلميذ على تنظيف حمامات المدرسة. ارتعد التلميذ الصغير من الخوف, وهو يرى الشرر يتطاير من عيني الخادمة, فوافق مضطرا غير انه تمكن من الفرار عندما شاهد أمه تنتظره على بوابة المدرسة, روى التلميذ الصغير لأمه ما حدث, وعندما ذهبت الأم لعتاب الخادمة فوجئت بها تستل مطواة, وتطعنها بها في يدها, وكأن ارتكاب الجرائم بكل سهولة ويسر بالنسبة لهن امر معتاد عليه ولا يحتاج الى تفكير او مراجعة للذات مرات ومرات من باب اجتناب سوء العواقب والعقاب اثناء جرجرتهن الى اقسام الشرطة والمخافر. ففي لبنان ايضا تسلم قاضي التحقيق الاول في الشمال تقريرا طبيا أكد تعرض الطفلة القاصر للتعذيب من قبل مخدوميها, واضافت معاينة الاطباء للطفلة ان جميع الجروح والرضوض والكسور والحروق وكذلك الفحوص المخبرية تدل على انها آثار واضحة لأعمال تعذيب وضرب وحرق أوقعت بالفتاة قصدا. تقول احدى الزائرات للبنان قريبا: وهنا لا أبالغ فقد اتيح لي ان استمع الى نقاشات كثيرة والى تذمرات مأساوية ومريرة خلال زيارتي الاخيرة (انها تجعل حياتي جحيما) , هكذا سمعت نساء كثيرات يتذمرن فيما يحتسين بعصبية فناجين قهوتهن التركية, ولم يطل بي الوقت لاكتشف انهن يقصدن بكلمة (هي) : الخادمة, او بالاحرى الخدامة. لقد جيء بـ (هن) الى هنا للمساعدة, لكن حين تستمع الى كثيرين رجالا ونساء يرددون معا (مابيعملوش.. مطالبهن ما بتخلص.. ما بيعجبهن العجب) . ولقد وصل الحال ببعض ربات البيوت في الكويت من شدة هذا التذمر الى ارتكاب جريمة قتل في حقهن, ذكرت الصحف الكويتية ان محكمة الاستئناف اكدت حكما بالسجن لمدة عشر سنوات كان قد صدر على امرأة كويتية ادينت بضرب خادمتها الآسيوية حتى الموت, وقد استخدمت هذه السيدة مضرب تنس خشبيا وبوحشية ما أدى الى موتها. فهل نحتاج الى المزيد من الأدلة الواقعية حتى ندرك ما اشار اليه اللواء ضاحي خلفان في كلامه السابق الى الانتظار لمدة عشرين عاما حتى نتوصل الى الحقيقة التي مؤداها دوام خطورة هؤلاء على مستقبلنا؟