جودة معاني العيد تحافظ على ميناه, اي عندما تقابل عابرا في الطريق في مثل هذا اليوم ويقول لك: انت حاس بالعيد؟ فهنا يعبر عن نفسه فقط وعن احساسه هو الشخصي لعدم رغبته بالاحتفاء او الاحتفال والابتهاج بالعيد لان لديه موقفا مسبقا منه وهذا شأنه وحر فيما يعتقد ويختار . اما نحن فلا نوافق هذا ومن على شاكلته على هواه, لان الاصل عندنا ان نفرح وان غطى الحزن شحمة اذنينا والاستدال بالواقع الذي نعيش لايكفي حجة بالغة للبقاء في درك الاحزان ومواسم الفرح تدق الابواب وتفتح لها النوافذ لتجدد الهواء المنعش والعليل من بين الجدران. هناك نفوس تعيش موجات من اليأس والقنوط فهي لاتفرح للفرح ابدا لان الحزن دأبها وديدنها لغلبة الوجوم على مداخلها فقد انسدت به حتى تكاد لاتشعر الا اذا سمع بالاخبار الحزينة فتزداد غما على غم. الفرح بالعيد جزء من الخير العميم الذي ينطبق عليه قول الرسول الاكرم عليه الصلاة والسلام (الخير في وفي أمتي الى قيام الساعة) او كما قال ولكن بعض المسلمين يعيش القيامة قبل أوانها فيحول الدنيا الى كتل من الدخان الاسود اذا اخرج يده لمصافحة الاخرين بالعيد لم يكد يراها من شدة السواد بين عينيه وفي اعماق مشاعره وحواسه. فالعيد للجميع ولم يستثن الشرع الكريم احدا من فرحته لان الحاجة الى الفرح في زمن الاحزان عند البعض اكثر ضرورة من الازمنة الاخرى, فلا داعي من تقليب الموازين الصحيحة على حساب الاخرين, فالعيد يجب ان يظل ويبقى عيدا سعيدا ولانتمنى ان يمر علينا عيد حزين ابدا. بما ان الفرح والحزن في تقلبهما جزء من تكوين النفس البشرية الا ان الخلط في اظهارهما يعد نوعا من المبالغة في غير وقته ومكانه, منذ بدء الخليقة والعالم يعيش موجات من الحوادث المفرحة والمحزنة ومع ذلك لم يتحول الحداد ليسود كل الاحداث فالانسان هو الذي يتحكم في مشاعره وليست الاحداث وذلك لرسوخ الارادة في الاول وانتفائها من الثاني والا كنا طوع الاشياء بدل ان نطوعها, فعامل الزمن وتغيره لاينبغي ان يؤثر على ما نود نحن القيام به والتصرف حياله من قبلنا هو الذي يحافظ على نقاء وصفاء المعنى ويقوي من رصانة المبنى, فالعيد في ذاته يجمع كلا الطرفين في كيان واحد متى تم الفصل بينهما تسود عبارات المراثي بدل الثناء الحسن فيدور على لسان البعض حينئذ القول بأي وجه عدت ياعيد. وهو نوع من الانهزام امام حوادث الزمن وسلبية في التعامل معها بدل التأقلم مع دوران الزمان والا اصحبنا طعما وصيدا سهلا بين يديه, نحب ان نعيش العيد كماهو وكما كان وكما سيأتي في طبيعة الزمن المتقلب, ونريد ان نشعر به زائرا له المعزة الكاملة في نفوسنا لانه خفيف اذا حل موعده وثقيل اذا حان موعد رحيله, حقه علينا ان نحزن لفراقه بعد انتظاره لأشهر عديدة نخشى ان تمر ولن نجد لانفسنا مكانا مناسبا فيها, فحمداً لله تعالى على نعمائه وشكرا وافيا على لطفه بنا في السراء والضراء وحمدا له مرة اخرى على ان جعلنا اهلا للبقاء في هذا الوجود للعيش في مواسم الفرح كلما اطلت برأسها علينا من جديد.