يبدأ رمضان في حياة الفرد المسلم منذ صغره يحاول ان يصوم ويعاونه اهله على ذلك ثم يستقل بنفسه لبلوغه سن التكليف, ويمر الصائم في شهر رمضان بذكريات ومواقف تثبت في الذاكرة ويسترجعها فيما بعد ويضحك عليها او يستأنس بها مع اطفاله وأحفاده وزملائه وأصدقائه.الدكتور ثابت ادريس الخطيب موجه اول لغة عربية بوزارة التربية والتعليم يسرد لنا مواقف رمضانية مرت عليه في حياته يعتز بها ويسترجعها بنوع من الاحتضان الدافىء لأيام ولت وتركت آثاراً ناعمة تزيده شباباً بحلاوة ذكرها فكيف هو رمضان في حياته. أدركت قيمة رمضان المبارك في حياة المسلم منذ طفولتي في أسرة كان على رأسها الوالد الأزهري رحمه الله وخطيب الحرم الابراهيمي الشريف بالجليل, فك الله اسره حيث بدأت رحلة صوم رمضان وأنا في سن العاشرة وتنامى ادراكي لعظمة هذا الشهر وصومه وقيامه وما يصاحبه من تربية النفس على الصبر والجد والاجتهاد رغم ما فيه من معاناة الجوع والعطش هذه هي الحقيقة التي يتجاهلها بعض الناس ولا سيما اولئك الذين يختلقون لأنفسهم الاعذار لقلة العطاء وضعف الأداء والكسل والخمول في رمضان وعلى امتداد السنين كنت وما أزال أجد في رمضان وقتاً ثميناً لا أجده في غير هذا الشهر للعمل والأداء الناجح, وجدته باستمرار فرصة ممتازة للمذاكرة عندما كنت طالباً في مراحل التعليم العام. ويضيف كان وقت بعد السحور في كثير من الاحيان وقتاً احس فيه بصفاء الذهن وهدوء النفس وما يصاحب ذلك من استعداد للدرس والمذاكرة والتهيؤ للانطلاق الى المدرسة مشحوناً بنشاط يمتد طول اليوم الدراسي, ولم يكن هذا على حساب العبادة التي تزيد النفس راحة وطمأنينة وتلاوة القرآن وحضور حلقات العلم في المسجد والاطلاع على ما تيسر من الكتب المناسبة المفيدة, كل ذلك كان يحدث في رمضان, فهو بالنسبة لي شهر جد ونشاط ومثابرة وأظنه كان كذلك بالنسبة لكثير من أبناء جيلنا. ويقول د. ثابت انه وكما كان ذلك الأمر حاصلاً في مراحل التعليم العام فقد امتدت هذه العادات في رمضان خلال مرحلة التعليم الجامعي, وكانت القاهرة المدينة الجميلة في رمضان فوق جمالها المعروف في غير رمضان, وكانت الحياة الجامعية في القاهرة في هذا الشهر تشهد نشاطاً وجداً ومثابرة اكثر منها في غير رمضان, فالندوات والمحاضرات وحلقات البحث كل ذلك كان ينشط في القاهرة في رمضان, ولا انسى تلك اللحظات الجميلة بعد انتهائنا من الصلاة في الجامع الازهر او الامام الحسين ونحن نتجول حول سور حديقة الأزبكية نبحث عن كتاب معين او نستطلع عناوين كتب نشتريها بثمن بخس رغم قيمتها الكبيرة كان الولع بهذ الكتب يزداد في رمضان ولم تكن مرحلة الدراسة الجامعية العليا اقل تشويقاً وجاذبية في رمضان المبارك من المراحل السابقة فإعداد البحث وما يرتبط به من جمع المادة وتحليلها وتصنيفها وتبويبها كل ذلك كان يبرز بجدية في رمضان اكثر من غيره من شهور العام, لأن الدرس والبحث لون من ألوان العبادة في رمضان. أما العمل وأداء المهام المطلوبة والواجبات الوظيفية في رمضان فمن الامور المرتبطة بالعبادة وكلما بذلت جهداً وأتقنت عملاً أحسست بسعادة غامرة لارتباط ذلك كله بما يترتب على التعبد في رمضان من رصيد يدخر ليوم لا ريب فيه, يوم لا ينفع مالاً ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم, وخلاصة القول انني ارى في رمضان مدرسة نموذجية يتعلم المرء فيها ويتلقى دروساً رائعة في الايمان والصبر وقوة الارادة انه مدرسة تعد المسلم اعداداً متميزاً ليؤدي ما يسند اليه من عمل اداء متقناً. ولهذا كان شهر رمضان شهر انتصارات مشهودة كانت باكورتها غزوة بدر الكبرى وهذا موقف الأمة من شهر الصوم وهو محطة عظيمة الشأن في حياتي وفي حياتنا المعاصرة تكرر رمضان على الامة الاسلامية مسلوبة الارادة ومشتتة الشمل وكم كانت فرحتنا في العاشر من رمضان في حرب اكتوبر حين حطم الجندي المصري خط بارليف واجتاز قناة السويس الى الضفة الشرقية من القناة. هذه بعض محطات رمضان المبارك في حياة فرد من افراد هذه الأمة التي اكرمها الله بنعمة الاسلام كلها صبر وقوة وارادة وجد واجتهاد, ورمضان كذلك في حياة الأمة التي وصفها الله تعالى وصفاً ينبغي ان تدركه دائماً في ايام عزتها على نحو ما كان امرها وهي تتربع على عرش القيادة في العالم كما ينبغي لها ان تدركه وهي تعاني من الهزيمة والفرقة والمذلة على نحو ما هي عليه اليوم لتسعى من اجل تحقيق هذا الثناء الرباني العطر (كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) .