يشكو الكثيرون من طول فترة الانقطاع عن الناس, اقرباء كانوا ام اصدقاء ويتمنون في قرارة انفسهم العودة الى الماضي لقرب الناس من بعضهم البعض دون تردد او ريبة, الى درجة ان انتظار المناسبات السعيدة اصبح من السمات السائدة وسط شريحة كبيرة من افراد المجتمع, بل ويعتبرون حدوثها والمشاركة فيها يوم المنى بعد انقطاع الماء الاجتماعي عن حياة غالبية البشر على وجه العموم, والتي كادت تردد بين خفاياها (الماي مقطوعة يا افندي) . عيد الفطر ينضم الى سلسلة المناسبات التي تعيد الوصال للمنقطعين فلو لم يحدث فيه غير هذا لكفى, فالعطش الى شوق اللقاء الاجتماعي البعيد عن اجواء المحسوبيات والمحاسبات الملىئة بشرارة العتب والعتب المضاد يلقي بظلال من الصدق في المشاعر التي كادت ان تختفي من قلوب طالما هدها الشوق الى اللقيا للحبيب والقريب والبعيد والغريب. هذه التشكيلة من البشر لن تجد لها نصيبا وافرا إلا في الاعياد التي تضج صخبا بالحميميات في العلاقات الاجتماعية ولخشية الناس من التراجع الذي نلاحظه في سير الحياة البشرية نحو المادية التي تدوس كل معنوي في طريقها حتى تسلم جرته ولو كسرت الجرار الاخرى. فحياة الانسان السوي لا تحتمل فراق الروح وحاجاته الضرورية عن الجسد الذي يواصل عطاء الروح, فروح العيد في تقوية الصلات بين قلوب الناس التي قطع اوصالها سعي الحياة ومشاغلها وباتت كلمة مشغول دائما مشغول ولآخر الاسبوع على طول من مترادفات اللقاءات العابرة حتى صار عذرا مقبولا وحاجزا يحجز الناس عن رؤية بعضهم ولو لدقائق معدودة. كانت المجالس في الزمن السابق مفتحة الابواب لكل من يريد ان يلقي التحية العابرة على صاحبه او جاره او صديقه او كائن من كان صفته الاجتماعية فتحولت الآن الى ابواب موصدة امام الآخرين, فتفتح احيانا عن طريق الاعلانات في الصحف الرسمية وتغلق لذات السبب, فيؤثر روادها عدم طرقها حتى لايدخلوا من باب الحرج ويعودوا من حيث ارادوا اتمام الوصل فيواجهون بالقفل المعلق على الابواب. طعم العيد في الوصول الى الآخرين من دون عنت او تردد وظن من حدوث امر غير منتظر, كنا صغارا نشق الارض شقا نسلم على الجميع وندخل مجالس كل القاطنين في الاحياء القريبة اولا ثم البعيدة ثانيا والابعد, بعد اليوم الاول للعيد, فصرنا كبارا فصعب علينا ممارسة افعال الصغار في براءتهم ولم تكن (العيدية) الدافع الوحيد للمرور على اهل الكرم والفضيلة والمقام الحسن, لاننا تعودنا او عودنا الآباء مع الاجداد على زيارة هؤلاء للسلام قبل كل شيء وهي اخلاق العارفين بالاعراف الاصيلة. اما ما نمارسه اليوم من تصرفات خلال ايام العيد المبارك فهو قريب جدا من المجاملات خشية القيل والقال, حتى ان الاستحياء لدى البعض هو الغالب على سلوكيات الناس تجاه الآخرين في اطهر مناسبة دينية واجتماعية تمر على المسلمين كافة وهو يعد واجبا مهما حتى لا نفقد انفسنا في زخم معطيات الحياة, وتقلبها على مفاهيمنا التي طالما عشنا نستقي منها عذب الشراب. العيد بالنسبة لنا موسم السمو بالاخلاق باعادة الماضي التليد في صورة الحاضر الزاهي والمستقبل المشرق فهو الامل الذي يعيد رباطنا الاجتماعي الى الصواب ويضع الموازين الحقيقية في حياتنا الاجتماعية حتى يعود القسط والعدل في تعاملاتنا الانسانية فأملنا ان لا تتحول المناسبات السعيدة الى تقاليد باهتة بعيدة عما تعلمناه في الماضي كما يجب ان نصل اليه في تقوية حبال الوصال وترك كل ما يمت الى الضعف والوهن في صفوفنا فلنقض اعيادنا دائما مع الصفاء وصفوة الناس حتى نعيد اليها بهجتها فعساها دوم وليس يوم.