يبدو ان الامثلة الدارجة في الحياة البشرية بدأت تهتز كلما تطور العلم وغير ما كنا نعتبره بدهيات او مسلمات غير قابلة للتداول في النقاش ومن هذه الامثلة مانردده حول (لما شاب ودوه الكتاب) او (العلم في الصغر كالنقش في الحجر والعلم في الكبر كالنقش في البحر) وغيرها مما لانريد حصرها هنا . تعليم الكبار والاهتمام العلمي بهم بدهية عالمية تحت بند التعليم للجميع وبشكل مستمر دون قيد او شرط وهو المفروض على العالم اجمع وان كانت الامية مازالت من المشاكل التي سوف تطل برأسها منذ اول يوم دخلنا به القرن الجديد الذي تم الاستعداد لاستقباله على احر من الجمر. قبل ان نشرح وضع الامية في العالم نريد ان نورد ما يؤكد بأن الامثلة التي يتم تداولها بيننا يجب التعامل معها على اساس من النسبية الاجتماعية والبعيدة عن لغة الارقام لانها تلامس احوال الناس التي لاتثبت على شكل واحد او نمط معين لان الديناميكية من صفاتها اللازمة. فما توصلت اليه آخر الدراسات والابحاث يفيد ان التعليم يحمي من التلف العقلي, فقد اجريت دراسة شملت رجالا ونساء تتراوح اعمارهم بين 65 ـ 90 سنة, من مختلف الخلفيات العلمية, حيث تبين ان هناك كمية ثابتة من الدماغ تضمحل بشكل طبيعي بنسبة 2.5% كل عشر سنوات, وان هذا الاضمحلال يتأثر بكمية التعليم الذي يكتسبه المرء خلال حياته, فبعد انتهاء المراحل التعليمية من عمر الانسان ومع كل سنة تمر يزيد معدل انكماش المادة الدماغية, لذا ينصح العلماء كبار السن بالعودة لاخذ الدروس في المدارس, مما سيساعدهم على عملية التذكر وتذكر مامضى من احداث يفرح بها الاحفاد! مازال العلم هو الرابح الوحيد في تقدم الامم والشعوب, والاستزادة منه علاج ناجع لامراض الشيخوخة وصحة البدن وعندما يتم التعامل مع هذا المصدر النوراني الذي يلاحق الانسان في شيخوخته فهذا يعني بأن بقاء الامية في العالم الى اجل غير مسمى لا يوجد ما يبرره وان محاربة الأمية لا تقل اهمية عن محاربة الامراض المعدية, فالجهل المعدي اشد خطرا من احاد الامراض التي يمكن السيطرة عليها اما استمرار الجهل في عقول بعض البشر فقد اعيا من يداويها. الان نعود الى الارقام الحديثة التي صدرت وقد ودعنا بها الالفية الثانية والتي توضح حجم المشكلة الملقاة على عاتق الالفية الثالثة في حلها سواء في القرن الاول منه او الثاني فكلما دارت عجلة محو الامية في اي مكان من العالم, كلما تحسنت ظروف القرون التالية حتى نصل الى نقطة الصفر في الامية. اوضح تقرير صدر عن منظمة الاغذية والزراعة (الفاو) في العاصمة الايطالية روما ان هناك نحو 15% من عدد الشباب في العالم من الاميين. وان عدد الأميين من الذكور في العالم يصل الى 57 مليون شاب ومن الاناث 96 مليونا, علما بأن نسبة الأمية بين الشباب تتركز في شمال افريقيا وفي اسيا. والغريب في هذا التقرير ان منظمة غذائية وزراعية هي التي نشرت هذه الاحصاءات وليست اليونسكو او الامم المتحدة او اي جهة تربوية وتعليمية اخرى وفي هذا دلالة قاطعة بأن مشكلة الغذاء وتفاقمها مرتبطة بمدى نجاح خطط محو الأمية وتعليم الكبار وخاصة في افريقيا وآسيا لان الأمية الفعلية تنخر البنيان الاساسي في مجتمعاتها, اما الدول المتقدمة فهي مشغولة بعلاج شيخوختها عن طريق اعادة تعليم الكبار لديهم وذلك بعدما تخطوا كل مراحل التعليم العام والخاص. هذا الاهتمام الغربي باعادة تعليم الكبار يقابله في العالم الثالث مثلا عندما يحرم الحصار على العراق مليون شخص من التعليم اضافة الى 124 الف طالب متسرب من التعليم الالزامي في الاردن مع وجود 8% نسبة الامية فيه, اما عندنا فلدينا الف طالب يتغيبون عن امتحانات المنازل سنويا من اصل قرابة اربعة الآف طالب وطالبة سنويا اي بمعدل الربع فهذه الاحوال لن تعالج الشيخوخة فينا اذا لم تزد من مرض الخرف علينا.