يصل الحال بالمتسولين الى القيام بمظاهرات صاخبة في بعض دول العالم من أجل وقف الضغوط التي تمارس عليهم من قبل الحكومات واجراءاتها لتنظيف مجتمعاتها من التشوهات الاجتماعية التي تعطى صورة احيانا مأساوية لمثل هذه الشريحة التي تقتات على التسول . وعلى هذا المنوال قام فريق من الشحاذين في بوبال بالهند بمظاهرة ضد الحكومة مطالبين سحب جميع العملات الصغيرة التي لم تعد لها قيمة شرائية تذكر ووصفوا هذه العملات بأنها (مضيعة للوقت) ويذكر في هذا الصدد ان الشحاذين في منطقة كاكينادا طالبوا السلطات ايضا بطرد الشحاذين الاجانب لانهم يعرقلون مسيرتهم ويشاركونهم في ارزاقهم. قد نقلل احيانا من شأن هذه الشريحة لانها مقارنة بأعدادهم في مجتمعنا نعتبرهم قلة, ولكن مع مرور الايام لا يستبعد ان يمثلوا في البداية قلة مقلقة اجتماعيا, وبما ان الامور لا تبقى على حالها فان انتقال هؤلاء من درجة القلق الاجتماعي للمجتمع الى القلق الامني وارد في اي لحظة يشعر فيها هؤلاء بالظلم الذي لم يخطر اصلا على بال اي فرد في المجتمع فضلا عن اي جهة. فمثال الهند يوضح ان هؤلاء الشحاذين بدأوا يملون طلباتهم على الحكومة لماذا؟ لانهم يجدون أنفسهم اصحاب حق في ممارسة هذه المهنة وبصفة قانونية وانه من ضمن هذا الحق, هو حقهم في طرد الاجانب الذين ينافسونهم على المهنة نفسها. اما في العراق ونتيجة للظروف المعيشية الصعبة, فان عمليات التسول تحولت الى يد سماسرة يديرونها بالاكراه, مع ان اصل هذه المهنة معيبة في نظر المجتمع العراقي, ولكن الحاجة ابتدعت طرقا كثيرة للتمويه, والاستجداء المباشر وغير المباشر واحيانا بالقوة. طبعا.. هي حالة الحصار وقد نظمت الدولة حملة جمعت خلالها ما طالته يد الشرطة وفرقها المنتشرة هنا وهناك... بعضهم (يهب) بعض ما حصل عليه من نقود التسول لكي يفلت! والبعض الاخر تلقفتهم المخافر ودور العجزة, وغيرها. يقول باحث اجتماعي: بعد ان لفظت المؤسسات الاجتماعية المتخصصة, من دور العجزة والأيتام والمسنين والمجانين نزلاءها, لم يجد هؤلاء سوى الشارع مأوى لهم, لذلك ضاقت شوارع بغداد والمحافظات بحشد من متسولين من مختلف الاعمار والاجناس. وقد انساق مع الاسترخاء في تداعي اللعبة, حشد كبير من المحتالين يسلبون الاضعف منهم, ويتوسلون رحمة الاقوى حتى بات السير في الشوارع المحاصرة, مكتظا بزحام المتسولين, ألما وحرقة. وحين خرج هؤلاء من رحم الدور الاجتماعية تلقفتهم ايدي سماسرة نظمتهم في تجمعات للتسول والسلب والتزوير. ولم يقف التسول مكانه عند العالم العربي والاسيوي, بل تعدى مكانته الى العالم الغربي, حيث تتحدث فرنسا هذه الايام عن رولان وينن بلجيكي الاصل الذي يعيش على التسول بعدما فقد وظيفته منذ زمن طويل. فقد قام رولان فرنسي الجنسية والمعروف بحبه للقطط بمبادرة اثارت الامل لدى فرنسيين كثيرين يرون ان مجتمعهم اصبح اسيرا للانانية. ومبعث الاعجاب برولان الذي يعيش دون مأوى انه اهدى 214 فرنكا و55 سنتيما هي حصيلة تسوله على مدى عدة ايام في شوارع مدينة ميتز, الى الاطفال المرضى في مستشفى المدينة. ولم يكتف الرجل المعدم بتلك اللفتة المؤثرة. بل تقدم للاطفال المرضى في مدينة اخرى هي تولوز بـ 15 كيلوجراما من العملات المعدنية التي عطف عليه بها ذوو القلوب الرحيمة. رغم هذا كله فإنه من الناحية الاجتماعية والامنية والاقتصادية, فالمجتمعات كلها تشرع القوانين تلو الاخرى للوصول الى حل مجد للانتهاء من هذه الظاهرة اليوم قبل الغد.