تأخير رواتب المدرسين المواطنين التسعمائة ولمدة اربعة اشهر قد تمتد الى شهور اخرى لا نعلم مداها لم يعد مبررا فقط, لأن التربية قد أخلت وفق رأي المالية بشرط التعيين عند عملية الاحلال, ذلك لأن المدة التي مضت في عصر السرعة كافية جدا لحل هذه الاشكالية التي لم نسمع عنها الا قبل خمسة عشر عاما , عندما تأخرت رواتب المدرسين في تلك الفترة قرابة العام وحدثت بسبب ذلك مآس انسانية ـ لا نريد ان نعيد سيرتها اليوم وان كانت الصورة نفسها بالنسبة للمواطنين الذين تذرعوا بالصبر طوال الاشهر الماضية ولم نسمع لهم شكوى, لأن الوعود كانت بيضاء ناصعة او انهم اعتقدوا بأن الاجراءات المالية قضية روتينية بحتة تأخذ طريقها بسلاسة الى البنوك, ولكن الرجاء قد خاب والروتين قد انتصر والخلاف الشكلي أطل بوجهه القبيح مرة اخرى لكي يثبت بأنه مازال سيد الموقف حتى وان توج بشهادات من الايزو, فالعمل الميداني هو المحك في النهاية وليس البريق الاعلامي الذي تزينه ربطات العنق الجديدة. دائما نفاجأ بأن الجانب الانساني غائب تماما عن بال المسئولين في المؤسسات الاتحادية مع طغيان الجانب الاداري العقيم ولا أقول السليم, الادارات الحديثة اليوم تدار في كافة انحاء العالم المتطور بأزرار الاجهزة الالكترونية ونحن مازلنا نعيش تحت ضغط تفسيرات النصوص الادارية التي يمكن حلها عمليا بسهولة فيما لو تم اتخاذ اللازم منذ الشهر الاول ودون انتظار اربعة اشهر حتى يفيض الكيل ويطفح ويميل الميزان بعيدا عن صالح المواطن الذي هو في اشد الحاجة الى الراتب, وهو يعيش شهر رمضان المبارك ويليه العيد وقد ينتظر عيد الاضحى وهو معلق بين ارض التربية وسماء المالية لعلها تمطر عليه الدراهم المعدودة الواجبة. بالعودة الى قيمنا الدينية الرصينة والتي تحث على اعطاء الاجير اجره قبل ان يجف عرقه, والمعلم حقا قد جف حلقه لأنه يعامل على أساس اداء الواجب وليس من حقه بعد ذلك المطالبة بحقوقه العادية, ونظن ان الراتب بعد انجاز العمل من اوجب الواجبات وليس حقا مجردا. تدعو التربية دائما طلابها الى احترام المعلم, وعدم الاساءة اليه سواء بالتلميح او التصريح حفاظا على مكانته وعدم اهتزاز صورته امام الميدان التربوي بكل مؤثراته. المعلم المواطن في النهاية انسان له مطالب وعليه حقوق وواجبات, والعدد قرابة الالف لا يجب ابدا الاستهانة به لان وراء هؤلاء آلافاً اخرين بانتظار ثمرات عمل هؤلاء الشباب الذين اقبلوا وقبلوا العمل في مهنة التدريس الطاردة في ذاتها, وليست جاذبة الى هذه الساعة الا اذا اقتنعت الوزارة ـ التربية ـ ذاتها برفع القيمة المعنوية والمادية لمعلميها, والا ستبقى قاطرات التعليم تراوح مكانها ان لم تتراجع نتيجة لصدمات الميدان التربوي بأنظمة بالية أكل عليها الدهر وشرب, ولم تشم الى الان رائحة عطرها الجديد والمرقم بعشرين عشرين وفق استراتيجيتها المستقبلية. فأول شرط للانطلاق الى المستقبل كسر القيد والاثقال التي تربط ارجل العاملين في التربية بكافة شرائحهم والا سيبقى الكم هو الحكم والحكم الفاصل على حساب النوع الذي تتم الطنطنة الاعلامية حوله في كل مناسبة رسمية. فتأخير الرواتب بالون تربوي واداري في نفس الوقت لاثبات الحقائق الجديدة وليس الاوهام والخيالات السارحة.