السعادة الزوجية لا تشترى ولكنها تبنى من اول يوم يخوض فيها رأسان في الحلال تجربة الزواج, ولو كانت تباع وتشترى لما توانى الناس عن شرائها واقتنائها ولو كلفت الملايين من الدراهم, لأن من المعروف بأن فقدانها وسط اوثق عرى الاتصال الاجتماعي بين رجل وامرأة لا يمكن تقييمها مادياً . قد نتحاور على سبيل المزاح والطرفة في مجلس أو ديوانية مفتوحة حول الحاجة الماسة في هذا العصر الى مجموعة من الكبسولات سريعة الذوبان في الماء نشربها لتشفينا من أدواء اجتماعية نعاني منها كالجهل وقلة السعادة ولا أقول انعدامها وغيرها مما يود أحدها ان تتحول هذه الآفات وغيرها الى مجموعة من الحبوب نتناولها فنسلم من جميع الامراض والشرور التي تؤرق حياتنا. هذه الطرفة في الاحاديث الجانبية توضح لنا أمرا هاماً للغاية وهو يتعلق بانسانية الانسان اولاً, ثم ما يترتب عليها من السعي المعنوي لاذابة جليد المشكلات الاجتماعية غير المحسوسة مثل المواد الاولية للبناء, وانما أشد وقعا منها على حياتنا فيما لو اعترانا نقص في احدى مواد البناء الضرورية لاستكمال مشروع حيوي هام, فإن سعي الانسان الى الكمال البشري اهم من أي بنيان آخر. ولا يتحصل هذا لنا الا عن طريق السعادة الزوجية التي تربط رأسين, مجموعة كبيرة من الرؤوس التي تتوالد مع مرور السنوات من بذرة السعادة المرجوة من الاولاد والاحفاد وغيرهم. ان لم يكن الرابط الحقيقي لكل هؤلاء هو السعادة الزوجية الأولية والضرورية لبنيان الاسرة, فإن كل ما ينتج عن عدمها وزعزعتها يكون مؤثراً سلبياً في توريث بذور عدم الاستقرار, لأن الهم والحزن والاكتئاب لن يدع مجالاً لبزوغ فجر السعادة على الآخرين اذا ما حرمت الاسرة الاولى منها, والتظاهر هنا بالسعادة لن يجدي فتيلاً ولن يغني سميناً بالابر الكاذبة او المضخمة. في زمن طغيان الماديات على حياة الانسان نجد بأن قياس المعنويات تعرض الى التقييم الاقتصادي وليس العكس وهو الأصح, فالدراسات الاقتصادية أضفت صفتها على الواقع الاجتماعي للبشر وقد يكون عذرها هو وجود مجموعة كبيرة من الخطوط المتشابكة بين ما هو اجتماعي او اقتصادي في صيغة توليفية يمكن ان نطلق عليها (الاجتهادي) الاقتصادي وأضع المصطلح بين قوسين لعدم التداول. وهذا التشابك اثبتته دراسة بعنوان الرفاهية الاجتماعية في بريطانيا والولايات المتحدة, بان السعادة الزوجية اذا حولت الى ارقام تساوي زيادة في الدخل قدرها مئة ألف دولار, شملت هذه الدراسة التي أجراها الاقتصادي ديفيد بلانشفلاور من جامعة دارتموث وزميله اندو اوزولد من جامعة ورويك البريطانية مئة ألف حالة استغرقت 25 عاماً. واظهرت الاحصاءات التي شملتها الدراسة لدى مقارنة السعادة التي تتحقق من خلال زواج مستقر, والسعادة التي تتحقق من خلال ظروف مالية مستقرة, ان السعادة الزوجية تساوي زيادة سنة في الدخل قدرها مئة ألف دولار. فإذا كان هذا تقدير الغرب المادي لقيمة السعادة الزوجية التي قد يوازي الراتب السنوي او يزيد, فلماذا يضحون بها في حفلة صاخبة من حفلات الطلاق التي بدأت تنال قسطاً وافراً أو شريحة اجتماعية رفيعة وفق المقياس الاجتماعي للبشر وهو الحرص على عدم اهدار الفلس قبل الدولار؟ لذا نرى بأن السعادة الزوجية الحقيقية هي اكبر من ان نثمنها بالدراهم والدنانير او الجنيهات والدولارات, لأن من يفقدها لن تعود اليه ولو بذل من عمره 25 عاماً زيادة على المدة التي استغرقتها الدراسة السابقة, من هنا نجد ان من يفرط منذ اول يوم من زواجه في عنصر السعادة في حياته الزوجية فلن تعيدها اليه أكوام من الأبحاث العلمية.