الأخلاق مناط التعامل الإنساني على كل المستويات, أفراداً, وجماعات, في المؤسسات والشركات العامة والخاصة بين الدول والمجتمعات, ففي كل علاقة بينية بين طرفين لابد أن يكون لخيط الاخلاق فاصل وواصل لإتمام اي صفقة بين أطراف المعادلة الانسانية . من هذا المنطلق نجد بأن لكل مهنة أخلاقيات تدرس لكل مختص في أي حقل من الحقول الانسانية المعرفية منها والتدريبية أو العملية, أوقفني هذا الامر عندما قرأت بتمعن حديث سمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة آل نهيان رئيس ديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي حيث أكد سموه ضرورة تمسك الشركات والمؤسسات في القطاعين الحكومي والخاص في دولة الامارات العربية بأخلاقيات المهنة واعتبرها واحدة من أهم قضايا العصر. والأهم من ذلك أن دعا سموه الى النظر للأخلاقيات ببعد عالمي يتعدى حدودنا الوطنية والاقليمية لتعكس صورة حقيقية عن حضارتنا وقيمنا ومثلنا العليا آخذين بعين الاعتبار التزاماتنا الدولية وبخاصة في ظل منظمة التجارة العالمية. لم هذا البعد العالمي في تناول الحديث حول اخلاقيات المهنة في زمن طغت عليه أخلاقيات المادة وذابت تدريجيا اخلاقيات الروح في سموها ورقيها؟! الجواب على هذا الأمر أيضا نقتبسه من لسان سمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة آل نهيان حين اضاف الى حديثه قائلا: (إن منطقة الخليج وعلى امتداد التاريخ قد سادتها أخلاقيات تعامل قامت على الثقة المطلقة ومراعاة الجوانب الانسانية بين المتعاملين كافة من تجار ورجال أعمال وغيرهم, الأمر الذي كان مبعث اعجاب وتقدير لدى من كانوا على صلة وثيقة بالمنطقة من دول العالم المختلفة) . هذا الحديث السامي يسمو بنا ويعلو الى الاهتمام بالاخلاق العالية والرفيعة والعظيمة في كل المهن, فللصحافة دستور يسمى بأخلاقيات مهنة الصحافة يدرسه طالب الإعلام منذ أول يوم يجلس فيه على مقعد الدراسة وذلك حتى لا تخرج الصحافة عن طورها, والطبيب كذلك يتعلم أخلاقيات مهنته حتى لا يقتل مرضاه تحت دعوى قتل الرحمة أو رحمة القتل. وهكذا فللتجارة والتعامل في الأسواق المحلية والعالمية أخلاقيات معتبرة والاخلال بها يؤثر مباشرة على مستويات الارباح التي تجنيها بعد سنوات من العمل الدؤوب, فالخلق الرفيع له دور كبير في رفع سقف الارباح المادية والمعنوية سواء بسواء اذا التزمنا الصدق لان التاجر الامين مرتبته مع الانبياء والصديقين والشهداء. واختم هذا الحديث بلقاء تم بيني وبين صاحب منزل في بريطانيا, جلسنا معه على طاولة المفاوضات من أجل تأجير بيته, فكان أول ما سأل عنه هذا التاجر: ما دينك؟ قلت: الاسلام قال إذن لن تتأخر عن تسليم الدفعات أولاً بأول حسب التاريخ المتفق عليه, قلت إن شاء الله سألتزم بهذا الشرط. قال: لا, إني واثق من هذا لأنني تعاملت في تجارتي مع مسلم صومالي لمدة عشر سنوات ولم يكذب علي يوما واحدا في معاملة, ونحن وبكل صدق نكذب في حياتنا اليومية مرات ومرات, فكان ذلك الرجل على درجة من الثقة والامانة في تجارته يصعب علي وصفها, فهل لنا في الصيام مساعدا لاستعادة مافقدناه أو كدنا نفقده من أخلاقيات المهن وغيرها, وهلا صدقنا بأن الغرب ينظر إلينا في هذه الجزئية كما ينظر الطير إلى اللحم.