فعل الخير لا تقيده أرض ولا سماء وإن كنا نسمع دائما عن الخيرين في الأرض, وقد يكون مدهشا او غريبا اذا ذكرنا أناسا يواصلون فعل الخير من الأرض الى السماء أو انهم مختصون بهذا الفعل كلما صعدوا الى السماء, كيف ؟! قلت بالأمس ان الخير وعمله لا يشترط فيه أو في من يقوم به أن يكون منتميا من الناحية الأدبية الى جمعية خيرية دينية أو إسلامية, لأن هذا ادعى للتعميم بدل ان نصنف فئة في المجتمع بأنهم من اصحاب الخير ومقابل هؤلاء لا يمكن ان نصنف الآخرين بأنهم ليسوا كذلك, لأن أكثر الناس يفعلون الخير في الكتمان لأنهم لا يحبون ان يعرفوا لأن الذي أمرهم وأطاعوه عرفهم وكفى بذلك فخرا وعزة, فمعرفة الباري سبحانه تغنيهم عن شهرة الاعلام الذي يختار وينتقي الى درجة ايقاع الظلم على الكثيرين وهم في قمة عطائهم. سافرت مرارا وتكرارا على متن طائراتنا الوطنية (الامارات) ولاحظت وجود أظرف خاصة تحث الركاب عن طيب خاطر للمساهمة الميسورة في بناء مشروع خيري في منطقة ما من مناطق العالم التي بحاجة الى اليد البيضاء الطويلة والتي يصل طولها الى أهل الشأن مباشرة, تصور نفسك محلقا في السماء وتمتد اليك يد الحاجة بصورة اقرب الى الاستئذان من دون رقيب أو يد أخرى تضع فيها المقسوم, وكأن المستأذن يذكرك برب السماء الذي يحفظك من ان تقع على الأرض, فهل من مانع للبذل في هذه الساعة التي يحتاج فيها الراكب الى دعوة المحتاج فقط من اجل ان تصل الرحلة سالمة بعد ان يتقدم الانسان بين يديها بالقليل الذي يحفظ للجميع سوء العاقبة. وبما أنني لم اتابع نتائج تلك الخيرات السماوية او من ساهم في فعل الخير وهو محلق في الهواء وقبل ان تطأ قدماه ارض المطار, ولكن تمر الأيام والأشهر وإذا بتلك الدراهم القلائل ماثلة أمامي على هيئة مشاريع ضخمة لم نشعر بها في حينها ولكن الأثر ظهر ولو بعد حين. فطوبى لمن لم تشغله هموم الدنيا وهو مسافر لقضاء حاجته سواء كانت تجارية أو علمية أو صحية أو حتى ترفيهية من وضع عملة ثقيلة في الميزان بتلك الأظرف الحانية التي تأخذ الحسنات وتوصلها الى مستحقيها عن طريق طيران الامارات, وهي ليست جمعية خيرية ولكن فعل الخير أصبح من صفاتها الملازمة لها. هل تودون ان تعرفوا شيئا عن بعض المشاريع الخيرية التي ساهمت فيها هذه المؤسسة الوطنية عندما وضعت يدها بيد الآخرين, فبين يدينا مشروعان الأول ملخصه ان تبرعات ركاب (الامارات) تبني ميتما في تايلاند, فلقد ساهمت التبرعات التي جمعتها طيران الامارات من المسافرين على متن طائراتها لصالح جمعية الهلال الأحمر في دولة الامارات في بناء ميتم عصري وحديث التجهيزات في جنوب تايلاند, وكان قد تم اطلاق حملة (كير فور لايف) الانسانية في شهر مايو من عام 1997 وتبرع ركاب الامارات في السنة الاولى من اطلاق الحملة بـ 922.398 درهما أي حوالي ربع مليون دولار. اما في العام الماضي فقد كان لكوسوفو الجريحة ـ وما زالت تعاني من جراحها التي لم تندمل بعد ـ نصيب من خيرات أهل السماء, وكان ركاب طيران الامارات قد قدموا في ذلك العام تبرعات بلغت 408267 دولارا أمريكيا تشكلت من قطع نقدية صغيرة ومتنوعة بواسطة مشروع (كير فور لايف) الانساني, وتم تخصيص 100 الف دولار امريكي من مجموع التبرعات لاعادة بناء المشاريع الأساسية لمنطقة كوسوفو ومن ضمنها اعادة بناء المدارس والمستشفيات. وهكذا تتوالى فيوض الخير وهي تربط بين أهل الأرض وأهل السماء وتضمهم بوتقة واحدة وإطار جميل من أفعال الخير المتراكمة عبر سنوات من العطاء الذي لا ينضب معينه ولا ينقطع مدده لأنه مرتبط بصاحب الخير الأول والمعطي الأوحد فهنيئا لمن كان له يد في هذا المجال الذي سيجني ثماره يوم يزداد عطش الناس وحاجتهم الى قطرة ماء فريدة تنزل عليهم بردا وسلاما من خلال تلك العملة المعدنية الصغيرة.