ضمن انشطة جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم, القى المفكر الاسلامي الدكتور محمد عمارة محاضرة بعنوان (الاسلام وتربية الضمير), في قاعة البحيرة بقرية البوم السياحية. بدأ الدكتور محمد عمارة حديثه قائلا:بدأ الدكتور عمارة حديثه قائلا: أود أن أوضح انه إذا اردنا الحديث عن اي موضوع فإننا نجد له صيغا مختلفة تعكسها التيارات الفكرية فهناك تيار فكري يجعل أدوات المعرفة هي العقل والتجربة, ويجعل مقاصد التقدم ماديا, وهناك منهاج آخر للتفكير هو المنهاج الباطني الذي يقف عند الضمير, وهناك المنهاج الوسطي وهو المنهج الاسلامي, وقد جاء في كتاب الله الكريم (وكذلك جعلناكم أمة وسطا).. لذلك نرى أن الثقافة الاسلامية النابعة من الاسلام لاتقف فقط عند الجوانب المادية أو تقف عند الجوانب الروحانية ولكنها وسط بين ذلك حتى تتوازن ثقافة الانسان المسلم. لذلك نرى علماء الاسلام يعرفون القلب بأنه لطيفة ربانية وملكة يهبها الله للانسان ويعرفون العقل بأنه نور يلقيه الله في الانسان, والضمير يعني ذلك الشيء المستكين في قلب الانسان, والثقافة الاسلامية المتوازنة تضيف الى التفكير العامل الضميري الى جانب العامل المادي والجانب الروحاني دون ان يطغى جانب على الآخر ولو قارنا الاسلام بالنسبة للثقافات الاخرى سوف نجد أن الفكر الغربي وضع حاجزاً بين العقل والنقل, بينما نرى أن الاسلام لايبخس العقل حقه ولو تدبرنا الاسلوب القرآني في التفكير لوجدنا أن القرآن الكريم لا يتحدث عن الصلاة بصيغة أداء الصلاة, وانما يتحدث عنها بصيغة اقامة الصلاة, والفرق في ذلك أن الاداء يقف عند الشك, بينما الاقامة فيها الحضور, فإحياء علوم الدين والعبادات الاسلامية يعني بث الروح في هذه الحركات والاشكال. كذلك لو تأملنا معنى السجود, نجد بعض كتب الفقه تصف معنى السجود بأنه إراحة عضلات الجسم, والان ادعو الى تأمل تعريف الاسلام للإيمان, وهنا لانستطيع القول ان السلام يقف عند نطق الشهادتين, وانما هو تعريف يصل للقلب, لذلك يرد في القرآن الكريم قوله تعالي (لا إكراه في الدين) والإكراه هنا ليس الشيء أو الاكراه المادي فقط, وإنما هو بمعنى عكس الايمان الحقيقي, فالايمان الحقيقي يخلق لدى الانسان طاقة أكثر من كل الطاقات المادية الموجودة. ولو تأملنا عبادة أخرى من العبادات الاسلامية كالحج فإنه يخطر في بال الكثير منا عدة اسئلة كتخصيص الله هذا المكان ليكون قبلة الأمه الخاتمة؟ ماهي فلسفة وروح هذا المكان؟ نجد أن هذا المكان بالذات هو اول بيت وضع للناس في الارض عُبد الله فيه, وهو قبلة آخر أمة انزلت عليها الرسالة. اذن الحج ليس شعائر تؤدى فقط, ولكن يجب بث الروح في هذه المناسك وتأملها, ولهذا المكان كذلك فلسفته الخاصة حيث عقدت فيه بيعة العقبة لإقامة الدولة الاسلامية وهي أول دولة اسلامية في التاريخ. اذن نحن بحاجة لبث الروح في هذه الاماكن المقدسة الاسلامية. وعند زيارة المسجد النبوي الشريف, نرى الناس يتدافعون للصلاة في الروضة الشريفة, حيث الاجر الكبير للصلاة فيها, ولكن يجب ان نضع في الاعتبار اضافة للاجر, ان هذا المكان يعتبر المدرسة النبوية التي تخرج العلماء الاسلاميون منها, لذلك ادعو مرة أخرى الى ضرورة التذكر والتفكير عند زيارة اماكن العبادة الاسلامية. كذلك لو تأملنا في كتب السنة الشريفة, نجد باباً في السنة تحت إسم (وافدة النساء) وهي إمرأة تذهب للنبي صلى الله عليه وسلم تقول (أنا رسول من خلفي من نساء المؤمنين يقلن بقولي وهن بمثل رأيي), لو تأملنا هذا الباب نجد معناه ان النساء في مجتمع النبوة اجتمعن وتشاورن واتفقن وبعثن بموفدة للرسول صلى الله عليه وسلم, فيجب ان نعتبرهن خريجات من المدرسة النبوية, وهذا يؤكد التحرير الاسلامي الذي نالته المرأة في الاسلام. كذلك لو تأملنا عبادة من العبادات الاسلامية كالصوم, نلاحظ ان جميع العبادات في الاسلام غير الصوم, تعتبر عبادات ظاهرة, يراها الناس, إلا الصوم فهو عباده سريه بين الانسان وخالقه, وكون هذه العبادة سرية تجعلها أقوى في تربية الضمير فقد قال الرسول في الحديث الشريف (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي), فالصوم مدرسة لتربية الضمير وصقل الارادة. وإذا تأملنا في الاخلاق الاسلامية والواجبات كالعدل الاجتماعي والتكافل الاجتماعي والصدقات, نرى الاسلام وضح أن المالك الحقيقي للمال هو الله سبحانه وتعالى, ومن حق الانسان ان يتمتع به, ولكن يعطي المحتاج حقه والفقير وجميع السبل التي وضحها الاسلام لانفاق المال, فالاسلام بذلك يحقق التكافل والتقارب بين افراد المجتمع الاسلامي, فينمي هذا السلوك الضمير عند المسلم فيكون له ضمير يشعر بالأمة وآلامها, ويعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم التكافل وشروطه على أنه ليس إحساناً أو منة, وإنما حق للفقراء يجب تأديته.. اذن ثقافتنا الاسلامية ثقافة القلب والضمير واختم حديثي بالتذكير بقضية القدس الشريف, ولو تأملنا يوم أسري بالنبي عليه السلام من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى, نجد أنه في تلك الايام لم يكن هناك المسجد الحرام ولايوجد في الاقصى مسجد, ولكن التفكير الاسلامي يفسر لنا ذلك فالمقصود بالمسجد الحرام هو مكه والمسجد الاقصى يعني القدس, والقرآن عرفهما بالمسجد بمعنى الحرم, وقد عرفا على انهما حرم للتشابه الكبير بينهما حيث لم تفتح مكة بقتال وكذلك القدس والحرم النبوي الشريف, فعند التفكر في الحرم المكي والحرم المدني والقدس, نرى هناك تشابها روحيا بينهم. وأخيرا اقول ان البعد الوجداني ضروري ونحن بحاجة إلى إحياء علوم الدين وضرورة استحضار القلب والمشاعر عند تأدية كل المناسك. د. محمد عمارة خلال المحاضرة