ما هو المفعول الحقيقي لشهر الصوم لدى المسلمين, أو ما هو الجزء الذي يجب ان يتأثر في الانسان إذا صام, وقد لا يأخذ حظه من العناية في بقية شهور السنة, وان كانت الامكانية متوفرة لهذا على مدار العام؟!الالتفات إلى النفس هو جوهر الصيام, وإلا كان الامتناع المجرد لا يتعدى الطعام والشراب وهو طقس يمارسه كذلك غير المسلمين وبشتى طوائفهم الدينية, وفقا لمعتقداتهم الخاصة . من هنا فالمراقبون الخارجيون لسلوكيات الصائمين في رمضان يدركون ان فلانا امتنع عن تناول الوجبات المعتادة في رمضان والتي تم تأجيلها زمنيا إلى ما بعد الافطار, كما هي ان لم تزداد تنوعا, لذا كانت مراقبة الناس ليست مقياسا لتقوى الصائم, أي لالتفاته لنفسه, واجراء حساب عسير لها لأنها فقدت توازنها خلال العام المنصرم, فالصيام بلا منازع هو العبادة المختصة لاعادة التوازن النفسي إلى أصحابها الملتزمين بكل الشروط والواجبات والآداب التي تعينهم على الوصول إلى هذه الدرجة من الشفافية. فقول رب العزة في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به) دليل قاطع على خصوصية الصوم وتعلقه بالنفوس التي لا يعلم خباياها وأسرارها ومدى الاستفادة منها إلا خالقها, وهذا التقييم يلغي ويقطع ألسنة الآخرين إذا ما أرادوا الخوض في حديث يقيمون فيه القبول والرفض الإلهي لصيام فلان مقارنة بصيام علان أو سين وصاد من الناس. إن التفرغ لبناء النفس الانسانية وبصورة متوازنة فرصتها الحقيقية في هذا الشهر لأن كل ما يحتويه من مؤثرات روحانية تعين من يريد ان يصل إلى هذه الدرجة من التوازن المطلوب للنفس التي تأخذ مرة صفة اللوامة, ومرة أخرى صفة الأمارة بالسوء, ومرة ثالثة المطمئنة, وهي المتوازنة حقا مع متطلبات الشخص السوي روحيا مع نفسه وغيره. ان الذي يملك زمام نفسه في تقلباتها هو الذي يوجهها كما يريد وليس كما هي تريد, فالنفوس طماعة وخضّاعة في آن واحد, فمن لم يروض نفسه في سيد الشهور كما سماه المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في حديث رواه الطبراني (سيد الشهور شهر رمضان, وسيد الأيام يوم الجمعة, لو يعلم العباد ما في شهر رمضان لتمنى العباد ان يكون شهر رمضان سنة) فالسيادة على النفس في رمضان أقوى في غيره لأن دواعي اطلاق العنان لها أكبر وهذه لا حاجة لنا للاستدلال عليها لبدهيتها. ان من كمال الانسان على سائر أنواع الحيوان هو وجود جوهر الارادة الحرة في صميم تكوينه, فمن خلالها يتحكم في نفسه توازنا أو اخلالا بالتوازن, وهذا ما أكد عليه ابن مسكويه قائلا: ان الذي يدفع انسانية الانسان إلى حقل النمو والاكتمال هو الممارسة الارادية, والذي يدفعها إلى الضمور والنقص هو كف تلك الارادة عن تفجير نشاطها. فهنا يكون الفارق بين من سلبت إرادته منه بإرادته ومن عض عليها حتى لا تنفلت منه, فيصبح معرضا لكل أنواع التيارات التي تلهي النفس عن حقيقتها وتشغل الانسان عن أداء واجباتها بمختلف صورها. فرمضان هو الشعرة التي تفصل بين القابض على جمرات نفسه والآخر الذي يشعر بأن هذا الخير العميم الذي هل عليه قيدا وغلا ينتظر فقط حلول المساء حتى يطلق رجليه للريح من جديد, ويتمنى في قرارة نفسه قرارا صارما يلغي شهر الصيام من الوجود وهذه أمنية من شطحت نفسه وهم قلة بفضل من الله وحمد له.