نتابع فكرة الاتحاد السامية وهي تقترب عمليا من خط التنفيذ وهو الذي يثبت للجميع ويلفت كل أنظار العالم الى ما يمكن ان يحدثه هذا الوضع الجديد في دولة كأنها تنشأ من عدم وفق مقاييس بروز الدولة المعاصرة, الا ان المفاجأة كانت أكثر مما يتوقعه العدميون في تفكيرهم الضيق والذي لا يتعدى موضع أقدامهم, فما كان يحدث ويتحرك في عقول القادة في هذه البقعة المنسية لأزمنة متوالية وهي تسعى الآن بكل قوة وتنطلق نحو العالمية منذ لحظة الميلاد. ففي 13 يوليو 1971م, عقد مجلس حكام الامارات اجتماعا مهما في دبي بعد ان فتح المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم قلبه وعقله لهذه الفكرة منذ أن وافق على الاتحاد الثنائي دون تردد, ففي هذا الاجتماع التاريخي والذي خصص لبحث المسائل المتعلقة بقيام الاتحاد صرح صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: (انه لا بديل للاتحاد.. ولا وقت للضياع.. وان الاتحاد سوف يقوم ويزدهر, وأنه كرس حياته لهذا الانجاز) وأكد على هذه العزيمة الصلبة بقوله: (ان الاتحاد امنيتي وأسمى أهدافي لشعب الامارات) . وبهذه العبارات الموجزة والمعبرة عن الطموح واسع المدى ومدروس الخطى, وبقناعة راسخة بالوحدة, أقر المجتمعون مشروع الدولة الاتحادية استجابة لرغبة شعوب المنطقة, كما أقروا كذلك الدستور المؤقت فولد بهذا مشروع الدولة من الاتحاد السداسي ما عدا رأس الخيمة لم تعلن انضمامها الى الاتحاد في هذا الاجتماع ولكن التطور الذي حدث هنا واضح جدا عندما انتقل الاتحاد الثنائي الى السداسي. ولم يتوان صاحب السمو الشيخ زايد عن اعرابه وأمله العريض في انضمام رأس الخيمة وقطر والبحرين الى نواة الاتحاد الشامل في المنطقة حيث أكد في هذا الصدد بقوله: (انني لا افرض الوحدة على أحد قط.. هذا استبداد.. كل منا له رأي مختلف ومغاير لرأي الاخر.. نتبادل هذه الاراء ونصهرها في بوتقة واحدة ونستخلص منها الجوهر.. هذه هي ديمقراطيتنا وديمقراطية الوحدة) . واضاف بعد ذلك أمرا في غاية الأهمية وهو ان (الاصل هو الوحدة, اما التجزئة فهي الاستثناء المؤقت وغير الدائم) . ان هذا الاسلوب الراقي والفهم الواعي في طرح فكرة مشروع الاتحاد على قادة الامارات التسع يحتم علينا الوقوف عنده وتمعنه وتدريسه للأجيال الحديثة حتى تعرف الحقائق الناصعة عندما تتحول الى مشاريع قائمة على اساس من القناعة الفكرية والوجدانية لأن بالفرض والاجبار والاكراه لا يمكن ان يقوم بنيان من الوحدة, لأن الاتحاد لم يكن قرارا واحدا بقدر ما كان ارادة طوعية واحدة لأكثر من قائد رضوا لأنفسهم الحياة تحت مظلة واحدة تجمع شملهم بروح التسامح والتقارب والانسجام وهي أعمدة البنيان الذي بحاجة الى غرسها في نفوس افراد الشعب التواق الى الاتحاد والوحدة, فجاءت الساعة المصيرية للولادة الطبيعية وليست القسرية أو القيصرية وفي هذه النقطة سر من أسرار بقاء الاتحاد صامدا حتى تخطي سني المراهقة بكل عقلانية وحنكة ومرور ثمانية وعشرين عاما عليه دليل قوة واعزاز وتمكين وعلى هذا نصر ونتحرك به الى الامام بكل ثقة. وعليه كان البيان التاريخي الناصع ثمرة ناضجة عندما ورد فيه ما يلي: (في هذا اليوم 2 ديسمبر كانون الاول 1971م, عقد حكام الامارات أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وام القيوين والفجيرة الموقعون على الدستور المؤقت للامارات العربية المتحدة اجتماعا لهم في جو سادته مشاعر الاخوة والثقة والحرص العميق على تحقيق ارادة شعب الامارات واصدروا اعلان سريان مفعول احكام الدستور المذكور اعتبارا من هذا العام) ترى هل اكتملت الفرحة بهذا الاعلان ام ان احلام القائد كانت تنظر الى الافق البعيد وبالذات في 10 فبراير من عام 1972م هرولت امارة رأس الخيمة فانضمت الى الاتحاد ليكتمل عقد الاتحاد السباعي في بوتقة كيان سياسي موحد وقوي. الى هنا تنتهي قصة الفكرة وبعدها للحقيقة تعجز اقلامنا عن المتابعة لأن اعمارنا قاصرة وقصيرة جدا اذا أردنا ايفاء الاتحاد ورواده الكرام البررة حقهم فلا نملك بعد ذلك الا التمسك بأهداب عقد الوفاء الى الأبد.