نواصل التأريخ لفكرة الاتحاد التي خامرت عقل صاحب السمو الشيخ زايد بعد العام 1953م ووثوقه من ان الاحلام سوف تتحقق في يوم من الايام, ولم تمض على هذا الشعور سنوات حتى دخلنا الى العام 1966م, حيث بالفعل وليس بالقول فقط بدأت الاحلام تتحقق مع انطلاقة السادس من اغسطس من ذلك العام, الذي يعتبر بحق صفحة مشرقة في تاريخ دولة الامارات الحديث, حيث اكد صاحب السمو في هذا الصدد على تحقيق الهدف الاول من توليه سدة الحكم في امارة ابوظبي قائلا: (لا فائدة للمال اذا لم يسخر لصالح الشعب) . ان الايمان العميق بالوحدة عن طريق الاتحاد كان متأصلا في قرارة نفس صاحب السمو منذ ان كان حاكما على منطقة العين في بدايات عام 1946م, حيث بادر وبعد عشرين عاما من تقلب الامور ووجهات النظر, بالدعوة الى الاتحاد بين امارات الدولة مؤكدا بقوله: (ان الاتحاد هو طريق القوة وطريق العزة والمنعة والخير المشترك وان الفرقة لا ينتج عنها إلا الضعف.. وان الكيانات الهزيلة لا مكان لها في عالم اليوم.. فتلك هي عبر التاريخ على امتداد عصوره) . بعد هذه المدة الطويلة والممتدة بين عامي 1946 و1966 سارع القائد الفذ الى القيام فورا بزيارة لاخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي في 18 فبراير من عام 1968, حيث بحثا اقامة اتحاد بين الامارتين يقوم بالاشراف على الشئون الخارجية والدفاع والامن الداخلي والخدمات الصحية والتعليمية. وهذا البحث العملي في ضرورة انشاء كيان وحدوي ولو بين امارتين في البداية كان له دلالة مؤثرة في تحريك الامارات الاخرى نحو هذا الاتجاه حتى لا تبقى في عزلة عن هذا الشأن الذي يهم كل الامارات المتصالحة في ذلك الوقت وليس امارتين فقط. من هنا لم يتم اغفال البقية من اول لقاء هام وحاسم بين الامارتين الام وعليه اتفقا ايضا على دعوة اصحاب السمو حكام الامارات العربية للاجتماع في دبي لمناقشة توسيع دائرة الاتحاد اكبر قدر ممكن والحث على قيام اتحاد تساعي, يسع الآخرين ولا يقتصر فقط على امارتين, فكان الاقتراح آنذاك ان يتشكل هذا الاتحاد التساعي من امارة ابوظبي, دبي, الشارقة, رأس الخيمة, عجمان, ام القيوين, الفجيرة, اضافة الى قطر والبحرين. وهذا ما اكد عليه آنذاك صاحب السمو الشيخ زايد بقوله: (ان قيام الاتحاد ضرورة قومية, فهو يؤمن الاستقرار والأمن, ثم انه سيكون عونا وسندا لاشقائنا العرب واصدقائنا في العالم) . فمنطلق التفكير لم يكن اقليميا بحتا لان سعة افق صاحب السمو كان اكبر من النظرة الاقليمية الضيقة لانه اراد بهذا الكيان ان يكون عونا لاخوانه العرب دون ان يستثني الاصدقاء في جميع انحاء العالم, انها نظرة عالمية ساعدت الدولة كثيرا لكي تتبوأ مكانة تليق بشأنها الحقيقي ووزنها الحضاري امام الامم الاخرى التي ما فتئت من الاشادة بهذا التفكير الواعي لمتطلبات المستقبل منذ عهد مبكر جدا من عمر الاتحاد. وبعد هذه الدعوة التساعية لم تتوقف الاجتماعات عن الوقوف بين جميع الاطراف في هذا العقد الذي ينتظر زمن وصوله الى صيغة للعهد والالتزام الادبي قبل القانوني أو الدستوري, فاستمرت الاجتماعات تلو الاخرى طوال الاعوام الممتدة من بدايات عام 1968م وحتى مطلع فجر السبعينيات حيث ادلى صاحب السمو الشيخ زايد بحديث لصحيفة (الاهرام) المصرية في 7 ابريل 1971م قائلا: (ان روح الجماعة والتعاون الصادق هما اساس نجاح الجهود الاتحادية.. وان الجميع يؤمنون بالهدف الواحد وستنتصر رابطة الاخوة على اية مشكلة) . لقد ضرب القائد زايد على الوتر الحساس للقلوب التي تريد ان ترتبط حول جواهر الامور وليس هوامشها لذا كانت الاخوة هي المقدمة الحقيقية للتغلب على اية مشكلة يمكن ان تواجه قيام الاتحاد.