من حق المتهم الدفاع عن نفسه اذا كان انسانا, ولكن المتهم الذي بين أيدينا اليوم هو بعيد عن الانسانية ككيان, وإن كانت الانسانية تفتخر بوجوده بينها وتسعى جاهدة وبقدر الامكان إلى ابرازه ومن ثم اطلاق سراحه من القيود التي تمسك برجليه . المتهم الماثل امامنا اليوم هو الصحافة التي توجه اليها التهمة من قبل بعض المسئولين عن مؤسسات الدولة, وصفة الاتهام أو نوع الاتهام هو ملخص في (ملء الصفحات) . فالصحف عندما تملأ صفحاتها تكون قد ارتكبت جريمة من الغريب ألا يطالها القانون, ولو كان أمرها بيد هذا البعض المتبرم لألقاها منذ ان عين مسئولا عن دائرة ما بالدولة في غياهب السجون الى الأبد ولكن من رحمة الله بنا كصحفيين بأن لنا قانونا آخر وضعته الدولة الرشيدة والذي على أساسه تتم المحاكمة اذا دعت الأمور لذلك. وهي بفضل الله نادرة في مجتمعنا وهذه ايجابية قد لا تتوافر في كثير من المجتمعات العربية, والتي يجر فيها الصحفي الى المحاكم وكأنه من عتاة المجرمين وليس من عتاة الذين يطالبون بحقوق الناس عبر هذا المنبر الحر نسبيا. التهمة اذا أصبحت واضحة ألا وهي (ملء الصفحات) ولا أعرف في القانون المحلي والدولي حكما خاصا يمكن اطلاقه على من يمارس هذا النوع من الجرائم الذي يدخل من باب ويخرج من آخر. وحتى تبرىء الصحافة نفسها من تلك التهمة غير المرغوبة لدى البعض فعليها في الحال ان تثبت للجميع بأنه ابتداء من يوم غد سوف تتبع الصحف بالدولة سياسة أخرى جديدة تسمى (تفريغ الصفحات أو تبييضها بدل تسويدها بأطنان الحبر ولوازمه) . أي بمعنى آخر سوف يستيقظ القارىء مبكرا ـ وذلك اذا وافقت الصحف جميعا على اتباع تلك السياسة البيضاء ـ ويفتح باب بيته ليجد أمامه مجموعة من الصحف المحلية التي آثرت الكتابة بالحبر الأبيض بدل الأسود إرضاء لبياض عيون من لا يعجبه أمر صحفنا في هذه الأيام. إذا كان الهدف من إلصاق تهمة (ملء الصفحات) بالصحف هو الاعتراض على المضمون أو المحتوى فهذا ما يختلف فيه الناس, فهناك من ىرى ان المجتمع مليء بكل شيء, وعلى الصحافة ان تعكس كل شيء كما هو لأنها مرآة والمرآة لا يمكن ان تشوه صورة صاحبها الا إذا قام هو بنفسه بإنكار صورته الحقيقية أمام نفسه, وصعب إيصال الصورة الأخرى الى الآخرين عن طريق ذات المرآة. وآخر يرى ان المطلوب هو التحقيق أولا بأول قبل نشر أي خبر دون الالتفات الى أهمية السبق الصحفي ووجود منافسين في الميدان يترقبون بكل حذر ودقة تخلف الآخرين عن النشر حتى تتحقق أمانيهم في الانفراد, وهذا حق كل صحيفة على حدة عربية كانت أم أجنبية, فلا يملك أحد الاعتراض على شرعيته. ولو اتبعت الصحافة أسلوب التحقيق الشرطي أو الأمني في نشر أخبارها يوما بعد آخر لما استطاعت ان تنشر شيئا يحرك الناس أو القراء تجاهها, لأن هذا النوع من التحقيق عن كل خبر يتطلب الكثير من التروي وعدم الاستعجال في نشر نتائج الأخبار, فهذا شيء والعمل الصحفي اليومي شيء آخر بكل المقاييس المعروفة لدى العالم. وطرف ثالث يريد ان يوازن بين هذا وذاك فيتريث يوما أو يومين حتى يفاجأ بأن الخبر نشر وانتهى وعلى الآخرين الآن متابعته من جديد بعد ان كان أقرب من العصفور في اليد. فالخلاصة ان من يطالب الصحف بالتبرؤ من تهمة (ملء الصفحات) أقرب الى من يطالب بإغلاق الصحف أبوابها وإيثار السلامة والرضا بأن كل شيء على ما يرام, وأن باستطاعة الصحفيين التمتع ببطيخة الصيف الباردة ويرفع الجميع أيديهم لبعض هؤلاء تعظيم سلام ولكن دونهم ودون هذا الهدف بحور من العمل الجاد والتي ستقف لمثل هذه التهمة الانهزامية بالمرصاد.