في ندوة (البيان) البحث العلمي وتحديات العصر(4): القطاع الصناعي العربي غائب عن دعم البحوث العلمية

يعيش البحث العلمي العربي حالة من التخبط وانعدام الثقة في قدراته وامكانياته وعندما تتحدث الارقام يصمت الجميع, والاحصائيات تقول ان حجم الانفاق العربي على البحوث وتطويرها في عام1992بلغ600مليون دولار, وهو ما لا يزيد على0.14%من الناتج القومي الاجمالي ويعد هذا ادنى معدلات الانفاق على البحوث في العالم الثالث . ولعل عزلة القطاع الخاص وابتعاده عن دعم الابحاث العلمية كانت سببا في تدهور الابحاث العلمية في عالمنا العربي, فبينما تبلغ ميزانية البحث العلمي داخل الكيان الصهيوني والتي تعتمد على الصناعة والجامعات ومعاهد البحوث والتمويل السري والعلني من منظمات خارجية 5 مليارات دولار سنويا, لا يزيد الناتج العربي كله على 1% من الناتج الصهيوني. وفي الوقت الذي يسعى فيه الصهاينة لتكوين ترسانة اسلحة بيولوجية بكتيرية ونووية وغيرها مما لم نسمع عنه, ينشغل القطاع الخاص والصناعي في الدول العربية بتكديس الاموال في البنوك الداخلية والخارجية, ويكتفي رجال الاعمال ببعض التبرعات التي لا تسمن ولا تغني من جوع, وتكتفي بأخذ توكيلات من شركات عالمية دون دراية منها انها لو اتاحت بعض الدعم للبحوث العلمية لصار لديها ابتكارات ذات عائد اكبر مما تسعى اليه. وبدلا من ان يكون هؤلاء رهينة لدى الدول الصناعية الكبرى تبذل لهم متى تشاء وتمنع عنهم متى تشاء, ويصبحون منتجين ومصدرين وهذا هو الدور الاوحد الذي تلعبه الشركات ورجال المال والاعمال خلال الفترة المقبلة حتى يستطيعوا المضي قدما لمواكبة التطورات خلال القرن المقبل والا فلن يكون هناك مكان ليضع احدهم قدمه وسيصبحون عمالة رخيصة لدى الدول الصناعية الكبرى (موزعين) فقط. مساهمة البحوث في التنمية تساهم البحوث التربوية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية فهي تساهم كما قال د. محمود حلاوي في استثمار افضل للموارد البشرية من خلال رفع الكفاءة التربوية لضمان جدوى اقتصادية افضل للعملية التعليمية, وربط الخطط التربوية بالتخطيط العام للتنمية الشاملة في البلاد, ومشاركة قطاعات العمل في وضع خطط التطوير التربوي بناء على احتياجات سوق العمل وتطور هذه الاحتياجات, وربط التعليم العالي والمهني بحاجات المجتمع المستقبلية, وجعل الجامعات مراكز ابحاث, او انشاء مراكز ابحاث في الجامعات تخدم خطط التنمية الشاملة في البلاد, كما تفيد في استثمار افضل للطاقات الجامعية واعتبار الجامعات بيوت خبرة يجب ان تستثمر لصالح المشاريع التنموية في البلاد, وفتح ابواب التعليم الجامعي والتخصصي امام الراغبين, والغاء القيود والحواجز الشكلية التي تعيق حركتهم وحريتهم, كما يساهم في تحقيق مبدأ التربية المستمرة والتدريب الدائم (اطلبوا العلم من المهد الى اللحد) , وايجاد اشكال من النظم التربوية تتصف بالمرونة والقدرة على توفير التعليم والتدريب لمن يرغب من الفئات المختلفة عمرا وكفاءة وتفرغا. وتساهم البحوث كذلك في التخطيط لمستقبل سريع التطور حيث ان الوضع الاقتصادي العالمي يستلزم تغييرا جذريا في الاعداد والتدريب, واهم بواعثه: ان مفهوم النظام التربوي الثابت والجامع قد انتهى الى الابد, وان الثورة التكنولوجية سريعة الخطى او سريعة القفزات, وهي تستلزم تغيرات جذرية في عملية اعداد التربية للقوى العاملة ولذلك فلابد من ان تتصف النظم التربوية وخططها وبرامجها بالمرونة المتزايدة لتساير قفزات الثورة التكنولوجية المتسارعة, مع وجوب انفتاح المدرسة والجامعة والمعاهد العليا على العالم, على عالم العمل, وكذلك اعادة النظر جذريا في بنية التعليم العالي ومحتواه وبرامجه, وضرورة توسيع مجالات التنويع والتشعيب في التعليم ماقبل الجامعي, الى جانب ترسيخ مبدأ التعليم الذاتي وتوفير جميع مستلزماته وهذا مايحصل في جامعة زايد, والاهتمام بنوعية التعليم وكفايته والتخلص من جموده شكلا ومضمونا. وتساهم البحوث التربوية ايضا في ايقاف الهدر في الانفاق على العملية التعليمية فمن المعروف ان الهدر في الانفاق يعيق عمليات التنمية والتطور في اي قطاع من قطاعات الانتاج وبما ان التربية اصبحت اليوم صناعة كباقي الصناعات الاخرى, فان حسن استغلال مخصصاتها المالية يؤدي الى زيادة فعاليتها الانتاجية ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتتجلى مظاهر الهدر في الانفاق على العملية التعليمية فيمايلي: التسرب من التعليم, والرسوب, وتطبيق مناهج ومقررات غير ذات جدوى عملية, والاعداد الناقص او غير المناسب لمتطلبات سوق العمل, والتكلفة العالية لبعض برامج التعليم, والانفاق غير المجدي, كالانفاق على امور شكلية لاتمت الى جوهر العملية التعليمية وعدم ربط الانفاق على العملية التعليمية بالجدوى الاقتصادية منه. ولذلك وجب المقارنة المستمرة بين مدخلات التعليم ومخرجاته في المراحل التعليمية كافة لمعرفة كمية التسرب او التأخير في التخرج. كما تساهم البحوث التربوية في اعتماد ما تتوصل اليه من نتائج حيث ان عمليات تطوير التنمية الاقتصادية والاجتماعية ترتبط ارتباطا مباشرا بعمليات التطوير التربوي, والتي تجريها مراكز البحوث المتخصصة. البحث العلمي وسوق العمل يتميز سوق العمل في دولة الامارات من حيث احتوائه على نمطين الاول: منشآت صناعية وادارية تأخذ بأسباب التكنولوجيا الحديثة, والثاني: منشآت صناعية وادارية تنجز اعمالها بأساليب تقليدية. والنمطان كما اكد د.سليمان موسى الجاسم نجدهما في جميع مجالات العمل وخاصة القطاع الصناعي والخدماتي, ونجد ان نسبة العمالة الاجنبية في كلا النمطين تصل حوالي الى 89% وهي نسبة تحطم كل المقاييس العالمية وتدعو للتوقف والمناقشة والعمالة في معظمها غير ماهرة فنجد 70% من المشاريع الصناعية والتجارية والصغيرة ومتوسطة الحجم يسيطر عليها آسيويون, هناك حوالي 180.000 عامل في القطاع الصناعي, لايشكل العرب اكثر من 5% نسبة المواطنين 1.7%. لم تستطع المؤسسات التعليمية التقنية والمهنية حتى الان من تخريج طلبة يشغلون 10% من الوظائف والمهن الشاغرة, ويبدو ان السبب هو قلة عدد السكان وعدم العمل على زيادتهم عن طريق سن قوانين الجنسية او تشجيع النسل. ومما سبق نجد اننا في امس الحاجة الى دراسة تحليلية ابتكارية تغطي مخرجات المؤسسات التعليمية ومدى تلبيتها لحاجات سوق العمل العام والخاص, ودراسة مدى ملائمة المناهج التعليمية المهنية لبناء جيل قادر على التعامل مع مفردات العصر كما علينا دراسة واقع التركيبة العمالية واثر ذلك على الانتاج, وواقع التركيبة السكانية واثرها على نمو العنصر البشري, وحاجة الدولة الى صناعة متطورة, وحاجتها الى تطوير وسائل الانتاج, والى كوادر وظيفية وادارية في مشوارها على طريق التنمية وعملية التوطين. ضعف تمويل الصناعة العربية ليس دور الدول فقط هو الذي يسير عجلة البحث والتطوير ولكن لابد ان يكون هناك اهتمام لتطوير الانشطة الانتاجية من قبل القطاع الخاص, وجميع قطاعات الدولة, وقد ظهر ذلك جليا في بيانات الانفاق على البحث والتطوير في العالم من الصناعة وكما تقول بيانات وارقام د.سعيد حارب فإن القطاع الخاص في الولايات المتحدة يساهم في تمويل البحث العلمي بـ 59% والقطاع الصناعي الياباني 73.40% وفي الاتحاد الاوروبي 52.80% بينما تساهم الحكومات والمؤسسات الاخرى بـ 32.70% من تمويل البحث العلمي في الاتحاد الاوروبي و 18.60% في الولايات المتحدة و 25.40% في اليابان. كما يمول القطاع العسكري البحث العلمي في الاتحاد الاوروبي بـ 8.20 وفي امريكا 22.40% و1.10% في اليابان وفي الوقت الذي لاتقبل فيه امريكا بتمويل خارجي للبحث العلمي يقبل الاتحاد الاوروبي تمويلا خارجيا قدره 6.40% و 0.10% في اليابان. وبينما يعتمد البحث العلمي في دول جنوب شرق اسيا واستراليا على الصناعة حيث يمول القطاع الصناعي البحث العلمي في استراليا بـ 47.70% وفي اندونيسيا 15.80% وفي كوريا الجنوبية 84.0% وفي ماليزيا 43.0%. وفي نيوزيلندا 33.60% و62.50% في سنغافورة, و12.20% في تايلاند ومقابل ذلك لا يتجاوز اسهام القطاع الخاص في الدول العربية 5% من حمل وحدات البحث والتطوير و3% من مجمل الانفاق. أرقام عالمية ومن جامعة عمان تحدث د. شريف بن محرز ـ عميد كلية الحاسب الآلي ـ عن عدم وجود استراتيجية للبحث العلمي واهميته في التطوير وتنشيط الانتاج, وفي عرض لبعض الارقام التي ساقها د. بن محرز للتأكيد على اهتمام الغرب والدول الصناعية بتدعيم البحث نجد ان الدول العشرين الاكثر انتاجية ونصيبها من اجمالي الناتج من 90 ـ 1995 العلمي كما يلي: امريكا 82, 35 انجلترا 9.24%, اليابان 8.67%, المانيا 7.42%, فرنسا 5.88%, روسيا 4.97%, كندا 4.77%, ايطاليا 3.49%, النمسا 2.40%, هولندا 2.40% اسبانيا 2.08%, الهند 1.94% السويد 1.90%, سويسرا 1.67%, الصين 1.38%, اسرائيل 1.17%, بلجيكا 1.10%, بولندا 0.97%, الدانمارك 0.96%, فنلندا 0.78%. اما متوسط النمو السنوي العالي والمنخفض من الاصدارات العلمية من 1990 ـ 1995 نجد في كوريا الجنوبية 24.49%, وفي الصين 17.46%, وفي تايوان 15.96%, في سنغافورة 15.80%, وفي تركيا 11.16%, وفي البرتغال 10.80%, وايضا 10.80% في هونج كونج, 9.95% في اسبانيا, و6.20% في المكسيك, 5.72% في اليونان, و1.58% في بلغاريا, و2.39% في المجر, و3.55% في الهند, 4.32% في جمهورية التشيك, اما في روسيا 4.42%. وجاءت الارقام لتوضح النصيب النسبي للدول العربية في الانفاق على الابحاث والتطوير مقارنة بدول اخرى متقدمة, ففي اليابان تشارك الصناعة بـ 72% والجامعات 16% ومعهد الابحاث 8% والمنظمات غير الربحية 2%, وفي المانيا 70% من الصناعة و14% جامعات و15% معهد ابحاث و1% منظمات غير ربحية, وفي امريكا 69% من الصناعة و17% من الجامعات و11% من معاهد الابحاث و3% من المنظمات غير الربحية, وفي اسرائيل 47% من الصناعة و33% من الجامعات و12% من معاهد الابحاث و8% من المؤسسات, وفي تركيا 21% من الصناعة و69% من الجامعات و10% من معاهد الابحاث اما في الدول العربية مجتمعة 1% من الصناعة و30% من الجامعات و69% من المعاهد البحثية. اكدت ميزانية الشركات العالمية المصروفة على البحث العلمي مدى اهتمام تلك الشركات وادراكها لاهمية البحث العلمي في مجال الصناعة فقد استهلكت شركة جنرال موتورز في البحوث 8.9 مليارات دولار عام 96 بواقع 5.6% من نسبة المبيعات, و6.8 مليارات دولار من شركة فورد بما نسبته 5.8% من المبيعات وصرفت سمينس 4.7 مليارات دولار اي 7.7% من نسبة المبيعات, وهيتاشي 4 مليارات اي 6.1% من نسبة المبيعات, وأي. بي. ام 3.9 مليارات دولار بنسبة 5.2% من المبيعات. واخيرا اكد د. شريف على ان الدولة العربية تملك الامكانيات والقدرات والعقول البشرية التي يمكنها ان تصل بالبحث العلمي الى درجات اعلى ولكن على القطاع الصناعي والاقتصادي ان يؤمن بدوره في هذا المجال ويساهم في تدعيم البحوث. أين القطاع الخاص؟ للقطاع الخاص دور فعال في دعم البحث العلمي والتطور في الدول النامية, ومن الممكن ان يقوم القطاع الخاص في عالمنا العربي وفي مجتمع الامارات بشكل خاص إذا ما أتيحت له الفرصة أو بالأحرى إذا ما سئل ان يشارك في دفع عجلة البحث العلمي والتطوير إلى الأمام وهنا أكد د. علي بكر حسن ـ جامعة زايد ـ ان المشاكل التي يعاني منها البحث العلمي إنما مردها في المقام الأول إلى غياب القطاع الخاص وقطاع التصنيع عن هذه الساحة. وقال ان الشركات والمؤسسات الصناعية في الدول التي تقدمت علميا تنفق بسخاء على الجامعات ومراكز البحث, فقد بلغ اجمالي ما أنفقته الولايات المتحدة مثلا على البحث العلمي في عام 1996 نحو 160 مليار دولار, ساهمت الشركات والقطاعات الصناعية الخاصة بنحو 59% من هذا المبلغ, لقد طالعتنا الصحف بالأمس القريب بأن دفعت شركة مايكروسوفت مليار دولار للجامعات لكي تعطي منحا لطلاب الاقليات الذين لم يقدر لهم ان يتمتعوا بمستوى تعليمي يسمح لهم باستخدام الحاسوب وما يتبعه من تقنيات هذا دور شركة واحدة من شركات مثل فورد ومؤسساتها وأي بي ام وغيرها في بلد غني كالولايات المتحدة. قد يقال ان المقارنة بين عالمنا والعالم الغربي غير عادلة, لكن السؤال لايزال قائما: ماذا قدم القطاع الخاص للبحث العلمي في عالمنا العربي بشكل عام, لا أحد يستطيع ان يقدم اجابة شافية لهذا السؤال غير انها وكما يقول د. بكر لا شك أرقام متواضعة بالمقارنة مع ما تقوم به الحكومات العربية في هذا المجال, آن الأوان ان يسأل القطاع الخاص عن خطته في حقول البحث والتطوير. ان هناك كثيرا من الشركات المحلية والعالمية في دولة الامارات مثلا تمارس نشاطها وتربح ملايين الدراهم سنويا متمتعة بسياسة اقتصادية مفتوحة نادى بها هذا البلد واحتضنها وقد يسرت هذه السياسة لهذه الشركات الكسب بوفرة لتعود بأموال طائلة إلى مقارها الأساسية في بلدانها الأم. دون ان تدفع هذه الشركات ضرائب دخل كما هو الحال في عالمنا العربي, وقد حان الوقت لدفع هذه الضريبة في صورة أخرى وهو تشجيع للبحث العلمي والتطوير التقني, وعلى هذه الشركات ان تقدم خطة واضحة باسهاماتها المستقبلية في دعم البحث العلمي في مجالها كشرط أساسي لكي تعطى تصريحا لتمارس نشاطها في هذا البلد. هناك أمثلة لمؤسسات خاصة تسهم اسهاما فعالا في البحث والتطوير, فمؤسسة جمعة الماجد تعتبر مثالا يجب ان يحتذى به, فقد أنفقت هذه المؤسسة مليونين من الدراهم لكي ترقى بالخدمات المكتبية, وتدرج مكتبة مركز جمعة الماجد للتراث ضمن المكتبات التي تتمتع اليوم بالأوتوماتية (automaion) في تصنيف مخزونها من الكتب وتستفيد من التقنية الحديثة في مجال المكتبات. وفي حقل القطاع المصرفي, فقد جمعت بعض البنوك عام 1998 في الامارات نسبة ربح وصلت إلى 20%. على هذه البنوك ان تحذو حذو البنك الاسلامي للتنمية في المملكة العربية السعودية, إذ يقدم هذا البنك منحا سخية لدراسة الماجستير والدكتوراه في مجال المالية والقانون والاقتصاد والمحاسبة وادارة الاعمال وهندسة الكمبيوتر, حقيق بهذه المؤسسات التي تقوم بمثل هذه الأنشطة ان تلقى اعترافا بالجميل من قبل حكوماتها وتشجيع المؤسسات التي لا تزال تفكر في ان تقوم بأنشطة مماثلة. العرب في ظل العولمة وأشار د. علي انه في ظل عولمة اقتصادية جديدة يسير العالم فيها نحو ما يسمى بالخصخصة والمتوقع زيادة عدد قطاعات التصنيع والشركات التجارية, والمعروف ان القطاع الخاص يحقق نسبة نمو أسرع من القطاع العام والحكومة, ومن ثم سيكون العائد للبحث العلمي عائدا ملحوظا. كثير من هذه الشركات تأتي بتقنيات لاستخدامها الخاص في الامارات وعندما تلملم اوراقها لتعود تأخذها معها بعد ان اعتمد عليها المجتمع بشكل أو بآخر تاركة خواء تقنياً في هذا المجال, شركات من هذا النوع عليها ان تدرب المواطنين بهذه التقنيات حتى يملأوا هذا الفراغ عند خروج هذه الشركات من البلاد. لقد أثبت القطاع الخاص قدرته على ادارة نفسه بكفاءة ملحوظة, وهو يميل إلى تقليص المرتبات التي تصرف للموظفين ويحسب حساب كل درهم يصرف وقيمته, ولهذا فإن هناك فائضاً من ميزانياته, من الممكن ان نوجه هذه الفوائض إلى خدمة البحث العلمي. وأخيرا أكد د. علي بكر انه آن الأوان لافساح المجال للقطاع الخاص ان يقوم بدوره المنوط له في رفع مستوى البحث العلمي والتطوير بالمجتمع الاماراتي والبيئة الخليجية, أبحاث من شأنها ألا توضع على أرفف المكتبات لكي ينظر إليها باعجاب وانما أبحاث تكون وثيقة الصلة بالمجتمع الاماراتي والبيئة الخليجية وان يوظف لهذه الأبحاث جهاز لمتابعة تنفيذها, وهذا الجهاز أيضا يكون مسئولا لمراقبة دور القطاع الخاص في دور البحث العلمي والتطوير لاشك انها ستكون نتائج بعيدة المدى أهمها وضع حد لاهدار الأموال ذات العملة الصعبة لاستيراد صناعات من الغرب أو الشرق مع انه من اليسير انتاج هذه الصناعات بما يتلاءم وحاجات المواطن العربي. البحث وتطوير الصناعات تعتمد حضارة دول الخليج على البترول وكذلك صناعاته فنجدها بشكل رئيسي تتركز حول الصناعات البتروكيماوية والتي تتطلب الكثير من البحث والتطوير لايجاد تركيبات مواد جديدة, أو تطوير مميزات مواد مستخدمة حاليا ورغم امكان حدوث ذلك محليا إلا اننا نجد ان الشركات الكبرى في دول الخليج تتجه نحو مراكز البحوث العالمية (خارج العالم العربي) لتطوير منتجاتها وتدفع مقابل ذلك المبالغ الباهظة! وهذا ما أكده د. عبدالله النجار ففي دراسة أعدتها منظمة الخليج للاستشارات الصناعية توصل الباحثون الى النتائج التالية: * تدني الانفاق على البحث والتطوير العلمي نسبة لاجمالي المبيعات 0.28%, رغم وجود ادارات داخل بعض المصانع 33% للبحث والتطوير, على الرغم من ان تلك المصانع أكدت بنسبة 96% اهمية البحث والتطوير في الصناعة. * تدني نسبة العاملين في مجال البحث والتطوير الى مجموع العمالة وقدرت بنحو 0.62% في المصانع المشمولة بالعينة. * افاد 35% من المصانع المشمولة بالعينة انه لا يوجد بينهم وبين المراكز البحثية والجامعات اي تعاون على الاطلاق, بينما افاد 54% منها الى وجود تعاون من خلال تقديم البيانات والمعلومات و21% من خلال تمويل بعض البحوث الخاصة بالشركة و10% من خلال تقديم اعانات مالية غير مشروطة الى مراكز البحث والتطوير فيها. * بين 97% من الشركات المشمولة بالعينة انها تتعاون مع مالكي التقنية في حل المشكلات التقنية التي تواجهها وتتحمل بنفسها كافة المصاريف الناتجة عن هذا التعاون. ويمكن الاستنتاج مما تقدم ان مراكز البحث والتطوير في الصناعة الخليجية محدودة وهي في اغلب الاحيان مراكز لمراقبة الجودة رغم ضخامة الانتاج الصناعي فيها, وتبقى العلاقة بين الجامعات ومراكز البحوث من جهة والصناعة ضعيفة للغاية ليبقى دور الجامعات تخريج حملة الشهادات. وفي قراءة سريعة في بيان المنشآت الصناعية في دولة الامارات ورأس المال المستثمر قال د. النجار ان مجموع الاستثمار في المنشآت الصناعية 1695 منشأة يبلغ 14.3 مليار درهم حتى مطلع 1999 وان منها ما مجموعه 11 مليار درهم 60% كاستثمار في منشآت يمكن ان يساهم البحث العلمي في الدولة بتطويره بطريقة او بأخرى الا ان ذلك لم يتضح في دور تلك الاستثمارات في دعم البحث العلمي في الدولة. اما رجال الاعمال والصناعة في الدولة فهم يعتمدون على استيراد التكنولوجيا وهم بذلك مرتبطين كليا بمصادر علمية خارجية وليست لديهم الشجاعة في الاستثمار في افكار علمية جديدة او حتى تطوير مالديهم من صناعات. ان غياب سعة الافق ومحدودية الطموح تجعل من رجال اعمالنا مقلدين ومستوردين للتكنولوجيا التي تورطهم في استجلاب خبرات خارجية لا تتناسب وطبيعة احتياجاتنا البشرية والبيئية وتكلفهم الكثير وتمنحهم حلولا جزئية فعلى امثال هؤلاء لا يمكن ان تقوم بصناعة وطنية ناضجة واقتصاد قوي. وقد غاب عن رجال الصناعة في وطننا نتائج الدراسة التي أعدها EDWIN MACFIELD من بنسلفانيا امريكا حول الفوائد الاقتصادية للبحوث الاكاديمية والتي جاء فيها ان معدل العائد السنوي للمجتمع من البحث العلمي الاكاديمي هو 28% اي ان المجتمع يكسب 28 سنتا في كل دولار يستثمره على البحث العلمي. وفي دراسة اخرى توصلت لجنة العلوم والتكنولوجيا في الكونجرس الامريكي انه في الشركات الخاصة يكون مردود الاستثمار في البحث العلمي في المتوسط 20% الى 30% بينما المردود الاجتماعي ـ حسب توقعاتها ـ يزيد على 50%. مصادر الدعم ان دعم البحث العلمي ليس منوطا بالميزانيات الحكومية فحسب وان كانت هي التي تشكل نواة الانطلاقة لبناء مراكز بحثية متطورة, ولكن وكما قال د. النجار انه اذا كانت الجامعات ومراكز البحوث هي المكان الطبيعي للبحث العلمي والذي اركانه (مشكلة ـ باحث ـ مادة) واذا كان الركنان الاولون منوطين بالجامعة فان الركن الثالث يجب الا يشكل عبئا اضافيا عليها بل يجب ان تساهم مختلف قطاعات المجتمع في توفيره وخاصة قطاع الاعمال والصناعة. المراكز العلمية بدول الخليج وبالنظر الى مراكز البحث والجامعات في دول الخليج نجد ان اهتماماتها منصبة في اجراء البحوث في العلوم الاساسية والتي يراد منها النشر العلمي ولاغراض الترقية العلمية وان تجاوزت ذلك فانها لا تزيد على النظر في مشكلات بيئية وتطبيقية اولية, ان ذلك النقص في ممارسة الدور الفاعل في تقوية اقتصاد محلي عائد لغياب رغبة الصناعات المحلية في التعاون وانحصار اهتمامات الباحثين غير المستقرين في طبيعتهم لتحقيق اهداف شخصية غير منتمية للمجتمع (الترقية العلمية).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات