نستطيع القول بأن الصحافة في الدولة تعيش هذه الايام على مفترق طرق, فمن مرحب ببعض الطروحات الجريئة, ومن مشفق عليها من قطع الطريق عليها فتعود القهقري الى ادراجها السابقة ومن راغب في الخيرات وعدم التعرض الى سيول السيئات . وعلى الضفة الاخرى لم يعد القارئ يعيش على القوت المحلي فهناك رافد من الصحف الاخرى يتابع من خلالها ما يجري من الاحداث المحلية وغيرها وبوجهات نظر مختلفة عما يتم تناوله في الداخل, فتضارب الاراء واضح وذلك نظرا لمساحة الحرية التي تم ادخالها الى حيز الاخبار المنشورة هنا وهناك. لا يمكن اجبار القارئ وهو المعني بالدرجة الاولى مما يكتب وينشر في كل ما حوله من الصحف التي لا يحتاج الى عناء كبير لقراءتها, فبزر الفأر يغنيه عن البحث المضني بين الاف الصفحات على مدار اليوم, فما يقرأه في الداخل مبتورا او مبتسرا يقرأه على الانترنت كاملا حتى في الاخبار العادية جدا والبعيدة عن اثارة المشكلات سواء لنا او لغيرنا. نحن في هذا المحيط الاعلامي نعد نهرا صغيرا بالكاد نرى بالعين المجردة, فهذه نقطة مهمة في عالم مفتوح على الجميع بلا استثناء وان وجد استثناء محدد خاص بظرف معين فهو سرعان ما يزول ولو بعد حين حتى يلتقي الجميع في السفينة العالمية. هناك مطالب داخلية غير معلنة احيانا على الساحة الصحفية بضرورة الوصول في يوم ما الى ما عليه الدول المتقدمة في مكانة الصحافة ودرجة الحريات الفعلية والممارسة الحقيقية لدور الصحافة في التنوير الذي لابد وان يؤدي في النهاية الى التغيير الامثل البعيد جدا عن الانقلابات الثورية بزواياها الحادة في المفاهيم الحياتية. هذا الامر نظريا حسن ولكن الاحسن ألا نندفع الى هذا الا بعد ان نملك الوسائل التي جعلت هؤلاء القوم في هذا الموقع المتقدم اعلاميا بشكل عام وصحفيا بشكل خاص, لانه اولا لا توجد صحافة رسمية او اعلام رسمي في تلك الحكومات, وهذه اهم نقطة في موضوعنا قبل الهرولة الى الامام, ونحن نعرف يقينا أن وجود الاعلام الرسمي يعني التمسك وبقوة بكل ما يبعد الحكومة عن الحساسيات الجانبية في تناول القضايا التي تمس الحكومة ذاتها, فهذا خيط لا يمكن تجاوزه او نسيانه لان وضعنا هكذا منذ نشأة الدولة وقد رضينا به طوعا, فاذا كانت الحكومة ذاتها ترى أن الوقت قد حان لاحداث تغيير جذري لقطاع الاعلام فالامر بيدها اولا واخيرا لانها تعرف المصلحة من ذلك. الامر الثاني والمهم في الدول الغربية التي نضعها امامنا في فم المقارنة استعاضت عن الرسميات بوجود نقابات صحفية تحافظ على حقوق العاملين فيما لو تعرضوا للضغوط او المشكلات التي تفصل فيها المحاكم الخاصة والبعيدة عن تأثير الحكومات عليها, وذلك حفاظا على النزاهة والحياد عند اتخاذ القرارات الحاسمة في هذا الشأن. هل يمكن لنا ان نتصور أن الموضوع فوضى, كما يتضح من البداية, اعتقد ان المتتبع يعرف جيدا من خلال ما يطرح في الصحافة هناك أن عدم وجود حكومات في صلب المؤسسات الصحفية لا يعنى انعدام القوانين الضابطة وهي تسمى عندهم بأخلاقيات الصحافة بدل لفظ القوانين, واما ما يخص الدولة او الحكومة فهناك سياسات عليا واضحة لدى كل الاجهزة الاعلامية لا يمكن لأحد تجاوزها لانها تقع ضمن مفهوم الامن القومي والمنصوص عليه في الدساتير التي تسود تلك المجتمعات. لذا نقول إننا في الداخل نجد انفسنا على مفترق طرق فيما يحدث على صفحات الجرائد المحلية عندما تم تناول احداث معينة على الصفحات الاولى مما حركت تلك الهواجس التي سطرناها آنفا, لانه في ظل عدم وجود قنوات اعلامية اخرى لتوضيح حقيقة الامور وحقائقها تظل المسائل معلقة كما نرى وفق رؤى اجتهادية قد تصيب مرة ولكن احتمالات الخطأ فيها اكبر لان ما يحدث بعيد عن الدارج في التناول الصحفي السائد في الصحف الرسمية على وجه الدقة.