الصداقة عنصر أمان وعامل اطمئنان لكلا طرفي المعادلة ولا يبحث عنها الانسان إلا لتفريج الضيق وازالة الهم المشترك, وانتبه العالم المعاصر إلى أهمية هذا العامل في بناء أواصر العلاقات الانسانية البعيدة عن عناصر النسب والرحم والمصاهرة ففي بريطانيا انشئت المعاهد الخاصة لتعليم الاطفال كيفية اختيار الأصدقاء حتى يتمكنوا من الابتعاد عن التضليل والغش بسبب سوء الاختيار وحتى يتم التقليل من الثمن الاجتماعي الباهظ عندما تقع الورطة ولامعين. ففي ماليزيا معاهد أخرى تحث العاملين في كل قطاعات المجتمع على الاهتمام بالأمانة والصدق في العلاقات الاقتصادية المالية أو الاجتماعية والتي من صلبها عامل الصداقة وهو الاكسير الذي لا غنى للانسان عنه مهما حاول البعض العيش وفق أسلوب العزل الاجتماعي الذي يؤدي في نهاية الطريق إلى الاغتراب الاجتماعي وهو مرض يوصل الانسان إلى حياة الانفصام الذهني أو الواقعي. هذا العامل الهام في الحياة البشرية العامة عندما ينقل إلى عالم الجريمة تصبح المعادلة معكوسة تماما وتتحول الصداقة الحميمة إلى عامل مساعد لارتكاب جرائم أولاها السرقة وذلك لسهولة وقوعها بين الصديقين اللذين فتح كل منهما محفظته بل كل بيته للآخر يصول فيه ويجول لأنه اعتمد على الأمن والاطمئنان الذي غالبا ما يسود عالم الاصدقاء بما فيه من منغصات. واعتبر ان السرقة منغص ثقيل جدا على القلب والنفس قبل الجيب وما حوى, أقول هذا وأنا أتتبع يوميا الجرائم التي تقع بين الأصدقاء ولا أقول الاغراب. عندما تقرأ العنوان (تسرق شقة صديقتها أثناء وجودها بمنزلها) يختلف الامر في العنوان الآخر (سرقة شقة) لأن هذا عادي جدا ويقع في العالم الواسع كل ثانية, ولكن حدوث السرقة بين الاصدقاء أو الصديقات في الأمر نظر بل أكثر من عبر. نعيد قراءة أحد الحوادث مع الانتباه إلى استغلال عنصر الصداقة في العملية كلها. ألقت شرطة دبي القبض على المدعو (ـ) وذلك بتهمة السرقة وتعود التفاصيل إلى تاريخ 30 يوليو الماضي حيث أبلغ المدعو (ـ) خليجي مركز شرطة المرقبات عن تعرض شقته بمنطقة الوحيدة للسرقة وذلك بعد ان تمكن شخص مجهول من التسلل إليها, واستولى على حقيبة يدوية تحتوي على مصوغات ذهبية تقدر قيمتها بمبلغ مائة وثلاثة عشر آلف درهم بالاضافة إلى مبلغ ألفي دولار أمريكي وخمسة آلاف ريال سعودي. هذه هي الحصيلة الاجمالية لعملية السرقة من صديقة, فهنا علا صوت المال وبريق الذهب والفضة على جوهر الصداقة الذي تحول إلى عملية زائفة مقابل العملات المسروقة من تلك الشقة المنكوبة. فما أبشع الصداقات التي لا تصمد أمام الاغراءات المادية وما أكثرها في زمن يوصف بأن الكلمة الفصل أصبحت للمال حتى وان سقط الرجال تحته بمجرد واقع الحال. وهذا المثال لا علاقة له بعموم الحال ولكن الاشارة إليه جاءت من باب المفارقات التي تقع فيها عملية اللعب بالمصطلحات والصداقة واحدة منها. فبعد البحث والتحري, تم الاشتباه بالمتهمة والتي تربطها صلة صداقة مع زوجة الشاكي, طبعا بما ان الاعتراف سيد الأدلة فلا داعي لوجود الأدلة الأخرى والتي لا تخرج عن إغواء هذا السيد. كيف نحافظ على صداقاتنا إذا ما تعرضت هي ذاتها للسرقة سواء بالمقاطعة المباشرة أو بالسرقة المعنوية مع دخول أطراف لا تقل خطورة عن السرقة الحقيقية التي عرضناها وبأسباب لا تمت إلى الحقائق بصلة, فهناك خيط رفيع ومشترك بين من يسرق شقتك وآخر يسرق شقك الأيمن أو الأيسر, فللشائعات المغرضة دور قاتل في قتل عالم الأمن والاطمئنان والأمان لأسمى علاقة صادقة في الوجود.