بعد التحية : بقلم د. عبدالله العوضي

لماذا يتمنى البعض من الحكومة ـ اتحادية أو محلية ـ دائما اجبار الناس على سلوك طريق معين أو اصدار قانون محدد او تشريع لانجاز مهمة ما في مدة محددة او حتى فترة زمنية قياسية لسرعة دوران عجلة المجتمع؟ الأمر يختلف عندما يتعلق الموضوع برمته في اطار السلوك الحضاري الذي يتفاوت الناس في كيفية تطبيقه على أنفسهم أولا ثم على مؤسساتهم التي لا تريد التخلف عن ركب الحضارة العالمية وهي الخيط المشترك بين جميع الأمم. عندما يتحول ـ فرضا أو جدلا ـ موضوع الجودة الى قانون ملزم للجميع, كيف نميز بعد ذلك المبدع من الممتنع؟ وكيف نفرق بين المتنافسين من خيارهم, الأول من الأخير؟ استشفيت هذا النمط من التفكير لدى البعض من تصريح لمدير عام دائرة التنمية الاقتصادية بدبي حينما استبعد لجوء الحكومة الى الزام القطاع الخاص في الامارة بتطبيق معايير الجودة, لأنه يستحيل تطبيق ذلك دون وجود رغبة حقيقية لدى المؤسسات في الوصول الى الهدف المرجو الذي تتطلع اليه دبي في تعميم معايير الجودة. فالأمر بعيد كل البعد عن اسلوب الاكراه او الاجبار او اصدار أوامر سيادية تلزم قطاعا عريضا في المجتمع بالتجويد, فحكمة الحاكم هنا هي الحكم لوضع الامور التي يتفاوت فيها الناس ومؤسساتهم في مكانها الصحيح من اشعال جذوة التنافس الشريف في القلوب والعقول من أجل الوصول الى الهدف السامي لمعايير الجودة المطلوبة في كل أعمالنا الفردية منها والجماعية. وتعدى المعيار لهذه العملية حدود النظريات الى طرح برنامج علمي لماجستير ادارة الجودة بالتعاون مع جامعة ولنجونج الاسترالية, وفي هذا دليل قاطع على ان تطبيق معايير الجودة هو عملية اختيارية بالنسبة للشركات والمؤسسات. لان المنافسة الحقيقية هي المقياس الذي يفرض على القطاع الخاص اللجوء الى تعزيز قدراته التنافسية في السوق وبمجرد اهمال مثل هذه المعايير وغيرها, يعني مباشرة خروج البعض من حلبة السباق الى الصفوف الخلفية, وهذه النتيجة صحيحة في ضوء الحقائق الحياتية المعاشة. ان هذا الطرح العلمي والمتعقل من قبل حكومة دبي يثري بالمقابل العطاء الأجود, لأن ترك مساحة من الحرية في النفس الانسانية يعطي دافعا ذاتيا للجودة حتى من باب الحفاظ على المكانة الاقتصادية في سوق لا يرحم الا من يحمل راية الاتقاد المتجدد بين يديه ولا يدعها تفلت منه مهما كانت المنافسة قاسية وشديدة وحامية كالجمر. فماذا عن واقع السلع والخدمات في سوق دبي على وجه التحديد من حيث الجودة ومعاييرها؟ ففي مثل هذا الشأن نظرية النسبية التي يتعامل معها المستهلك وهو الحكم الفعلي في عملية الاختيار للنوع الذي سيفرض نفسه في النهاية. والجواب عن سؤال البدء يكمن في حب الناس على وجه العموم للراحة سواء كانت ذهنية أو عملية وبما أن الجودة ومعاييرها بحاجة الى جهود مضاعفة وقدح للافكار بصورة اكبر حتى تتحقق الجودة, فهنا يفضل البعض ان تتقدم المراسيم الحكومية والقوانين الملزمة حتى يسقط التمايز بين الافراد أو المؤسسات ولا يجادل احد بأن الجودة التي تأتي عن قناعات راسخة لدى الجهات المعنية هي التي ستحظى بالقبول لدى المتعاملين مع هذه المعايير. فلماذا يحب البعض الركون الى الدعة وكثرة الراحة والاراحة على حساب تطور المجتمع الذي يود الكل ان يساهم فيه وليس جهة محددة بين قوسين. للزمن الذي نعيشه حكمه الذي لا نعترف به في احايين كثيرة ولكنه يفعل فعله, فإذا لم يكن الأمر كذلك فلم نردد دائما القول الشائع (اذا ما طاعك الزمن طيعه) ؟ لأن بغير هذا السلوك المتناسق فان الزمن ذاته يرمي بنا خارجه عندما لا نملك سبل الرجوع اليه ثانية, لأن الفرص تفوت ولا تتكرر كما نحب أو كلما نحب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات