تعكس حملة الانتقادات الصحفية التى تشهدها الساحة الاعلامية بدولة الامارات العربية المتحدة لاداء بعض اجهزة الدولة مايمكن اعتباره مرحلة جديدة في تعاطي اجهزة الاعلام الاماراتية مع هموم المواطن اليومية ضمن هامش اوسع من الحرية باسلوب مختلف من المعالجة . ولم تكتف الصحف المحلية بالاسلوب المقالي في توجيه النقد بل حرصت على الوصول الى المعلومات وكشف الاخطاء من خلال مقابلات وتحقيقات ميدانية داخل الوزارات المختلفة. ويرى مراقبون اعلاميون ان هذا التوجه يعكس محاولات تخليص اجهزة الاعلام الرسمية من البيروقراطية الادارية والمالية وصولا الى تهيئة هذه الاجهزة واعدادها لمرحلة التخصيص. وكانت الخطوة الاولى في هذا الاتجاه جاءت بانشاء هيئة الاذاعة والتلفزيون وفصلها عن وزارة الاعلام ومن ثم دمج هذه الهيئة مع مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر في تجربة غير مسبوقة وانشاء مؤسسة الامارات للاعلام التى اصبحت تدار ماليا واداريا على اسس الادارة المعمول بها في القطاع الخاص. وتقول الاوساط الاعلامية المحلية ان الاستقلال الادارى والمالي لمؤسسة الامارات للاعلام لن يكون له معنى حقيقي الا اذا أخذ عمقا في مضمون الرسالة الاعلامية للمؤسسة وفي شكل يتناسب والتطور الفنى الذي شهدته الساحة الاعلامية المحلية والعالمية. وبالرغم مما قد يثيره تركيز حملة مؤسسة الامارات على خدمات وزارتي الصحة والتربية والتعليم من تساؤلات فان هذا التركيز حسب تقدير احد المراقبين لا يحمل في حقيقته اي دلالات خاصة وانما يعد امرا طبيعيا بالنظر لاتساع قاعدة الخدمات التى تقدمها الوزارتان واتصال هذه الخدمات بكافة شرائح المجتمع. وكانت الحملة الاعلامية التى تناولت وزارة الصحة قد كشفت عن خلافات بين قيادات الوزارة حول اسلوب العمل والسياسات المتبعة في الوزارة بشكل انعكس على مستوى الاداء في المراكز الصحية حسب رأي بعض العاملين في الوزارة الذين ادلوا بتصريحات صحفية بهذا الخصوص الامر الذي اعتبره وزير الصحة بانه تشهير وتجريح غير مقبول مشددا على ان الخوض بمثل هذا المسائل يجب ان يقتصر على الوزارة ولايتم نقله الى وسائل الاعلام. ويبدو ان الحملة فاجأت بعض المسؤولين الذين لم يعتادوا على هذا النمط من التغطية الاعلامية وهو ما اشار اليه الكاتب عادل الراشد فى عموده اليومي في صحيفة الاتحاد حينما قال ان حساسية المسؤولين من الصحافة مسألة واردة ومتوقعة خاصة عندما تبدأ الصحافة في التقدم نحو ممارسة دورها في التحدث عن السلبيات والاشارة الى الجانب القبيح من وجوه الجهات التى يقوم عليها هؤلاء المسؤولون. ويضيف ان من المتوقع ان يحدث في الفترة المقبلة حساسية اشد لدى بعض المسؤولين الذين تعودوا الا يقرأوا في الصحف غير اخبار المدح والثناء ومتابعة تحركاتهم بالكلمة والصورة أو تعودوا على ان ينسب كل انجاز في كل عمل او مشروع لهم. ويقول الراشد ان المسؤول عندنا لم يتعود الا اخبار الشعوب وهو عندما يرى ويسمع اليوم النقد, يرى انه الصحافة كسبت مزيدا من المساحة لتقوم بدورها فانه يصاب بالصدمة. ورغم ردة الفعل التى أبداها المسؤولون في الوزارات التى تعرضت للنقد, فان القيادات التنفيذية في الدولة, ابدت ارتياحها الواضح تجاه ممارسة وسائل الاعلام المحلية لدورها الرقابي والنقدي للخدمات الحكومية المختلفة. فقد عبر سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء عن دعمه لما تقوم به وسائل الاعلام من دور في كشف اوجه القصور في اداء بعض الدوائر والاجهزة الحكومية مؤكدا انه لا يعتبر النقد البناء تجريحاً لاحد فيما شدد رئيس الاركان الفريق الركن طيار سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على ان من واجب الصحافة توضيح الحقائق وطرح كل القضايا الاجتماعية بكل قوة معرباً عن تأييده الكامل لتوجه الصحافة الوطنية نحو القاء الضوء على كل المشاكل التى يواجهها المجتمع بهدف تصحيحها. وفي تفاعل متناغم مع هذه التصريحات ابدى معظم الوزراء دعمهم لجهود رجال الصحافة والاعلام وتمكينهم من اداء رسالتهم واستعدادهم للتعاون مع وسائل الاعلام بل ان وزير العدل والاوقاف وجه ما يمكن اعتباره نقدا للذات بتحديده اوجه قصور عديدة في الوزارة التى يشرف عليها عبر لقاء صحفي, اشار فيه الى ضعف مستوى وعاظ المساجد وعدم اجادة بعضهم قراءة القرآن الكريم وسوء حالة بعض المساجد بالاضافة الى هموم قطاع العدل في وزارته. وفي مقابل هذا المناخ الرسمي الجديد فان المسؤولين في الصحافة المحلية يبدون ارتياحا واضحاً لهذا التطور في زيادة مساحة الحرية الصحفية معربين عن أملهم في تكريس هذا النهج وجعله سمة دائمة من سمات الاعلام الاماراتي. وقال عبدالحميد أحمد مدير تحرير صحيفة (البيان) ان الصحفيين هم اكثر الناس سعادة وترحيبا في زيادة هامش الحرية المتاح امامهم مشيرا الى ان الحالة الجديدة تعكس روح الحماس لدعوة وزير الاعلام سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان لاستغلال هامش الحرية المتاح لوسائل الاعلام لكنه رأى ان الحرية الصحفية يجب ان تسير ضمن رؤية واطر متكاملة تحفظ كرامة المسؤولين من جهة وتحمي الصحفيين من ردود الفعل المتعسفة احيانا من قبل بعض الجهات التى لم تعتد على النقد. وأكد عبدالحميد أحمد ان من الاهمية بمكان وجود كيان نقابي لحماية الصحفيين مثل اقامة جمعية للصحفيين تحفظ حقوق العاملين بالمهنة وتعمل على تطويرها وضمان احترامها. وطالب بألا تكون الحملات او الانتقادات الاعلامية تجاه المؤسسات والوزارات ذات طبيعة الانتقائية بل لابد لها ان تأخذ طابعا عاما يتم من خلاله ملاحقة القصور اينما وجد وفق قاعدة لترسيخ مبدأ العدالة والموضوعية. ووصف عبدالحميد احمد الظاهرة بانها ايجابية بكل المقاييس قائلا انها وسعت من هامش الحرية وألقت حجراً كبيراً في مياه راكدة داعيا الى توفير اطر موضوعية تكفل الحرية الاعلامية ضمن ضوابط ومعايير متعارف عليها وهو امرقال انه مازال غائبا حتى الان. اما مدير تحرير جريدة (الخليج) غسان طهبوب فقد وصف التطور الاخير في الساحة الاعلامية بأنه خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح والامل ان يستمر هذا النهج وان يتحول الى قاعدة ثابتة للعمل الصحفي في دولة الامارات. واعتبر طهبوب ان التطور الجديد هو قيام مؤسسة شبه رسمية بممارسة دورها الانتقادي كمؤسسة اعلامية مشيرا الى ان صحيفة الخليج كمؤسسة خاصة كانت تمارس هذا الدور منذ زمن ضمن اسلوب مختلف.