في الماضي كان الضرب في المدارس مقياسا هاما لفرض هيبة المدرس على الطلبة, واستخدمت أدوات ماأنزل الله بها من سلطان في اتمام هذه الصفقة التربوية فالمساطر القصيرة والطويلة, الخشبية والحديدية حادة الأطراف والأقرب إلى السكاكين منها الى وسيلة تعليمية , والعصي والخيزران الاخضر وأغصان النخيل والأيادي والأرجل والجدران أو الحيطان انتهاء بالكراسي والطاولات, بل حتى الأمواس لم يتنزه البعض ويترفع عن استعمالها ترويعاً وتخويفا وترهيبا, وخير شاهد على هذه العمليات التي هي أقرب إلى أساليب التعذيب في السجون جيل انفصل عن التعليم لهذا السبب وهو مازال يمارس حياته العملية إلا أن صورة تلك الأيام السوداء لاتفارق ناظريه. قد يقول قائل ما الحكاية لرد هذا الإصرار على ضرب التلاميذ بدل الترغيب في التربية والتعليم للتخلص من الأمية, التي مازالت تلاحقنا ولا تستحي أن تخرج عوراتها أمام الأخرين. شغلت هذه الأيام بأكثر من قصة من الميدان التربوي وسوف اسردها كنموذج لاسرائيليات بني اسرائىل التي أمرنا شرعا ألا نكذبها ولا نصدقها حتى يأتينا اليقين من أصحاب الشأن في التربية والتعليم. مدرس موتور يستخدم يد أحد الأطفال في الضرب على وجهه وهذه الوسيلة التربوية الحديثة نسينا ان نشير اليها في المقدمة ـ حتى يتحول الوجه الى اللون الأحمر القاني من شدة قوة يد المدرس وليس الطفل المظلوم. وعندما تم رفع شكوى إلى الوزارة وقفت مع إدارة المدرسة بكل من فيها وانكرت حدوث هذا التصرف من هذا المدرس الموصوف بالخصال التربوية الحميدة والتي لم يسبق له أن اخترقها بشهادة كل الزملاء, فخرج المشتكي كأنه ما اشتكى, واستمر هذا السيل على الجرار مع نفس المدرس مع طفل آخر ضربه ذات المدرس على وجهه حتى ورم وجهه بصورة لايمكن رؤيته, فتم الإتصال بوالد الطفل لعمل اللازم والذي خرج مع طفله الى أروقة وزارة التربية والتعليم لكي يري المسؤولين عيانا وجه طفله وآثار الضرب المبرح لم تختف بعد والتحقيق مازال جاريا, وقد قلت أكثر من مرة خلال السنوات الماضية بأن عملية الضرب هذه لايمكن سترها ولا السكوت عنها وبمجرد وقوعها تنتشر لان الطفل الاصل فيه الصدق ياأهل التربية والتعليم أولا حتى يثبت العكس ولايتصور أن طفلا صغيرا يحمل حقدا دفينا لأجل الانتقام من معلمه. ولا علم لي كيف مرّ هذا المدرس أو غيره على من صمموا نظام (الترخيص التربوي) لتحديد صلاحية المعلمين, مع أن الضرب دليل على الضعف وليس على القوة التي لايملك الطفل ردها مهما كان مفتول العضلات. وأود في هذه العجالة أن أمرّ هنا وهناك لاسمع التربويين حقائق الامور وكيف تدار في العالم من حولنا, فهذه المحكمة العليا في ولاية ماساشوتس الامريكية استمعت الى مناقشة حامية دارت حول ما إذا كان صفع الطفل يعتبر معاملة سيئة أم اسلوبا جيدا للتربية. وتعلقت هذه المناقشة بقضية ضرب قسيس لابنه قبل ثلاث سنوات بحزام جلدي بسبب علاماته المتدنية, وابلغ الطفل الذي اصبح عمره الان 12 عاما المعلم ان والده صفعه, وبالتالي قام المعلم بابلاغ ادارة الخدمات الاجتماعية..واعتبرت المحكمة ان الصفع يعتبر معاملة سيئة ينبغي التوقف عن ممارستها. فالفرق بين المدرس الامريكي وهذا الذي تحدثنا عنه في مدارسنا وهو يعلم علم اليقين بان الاسلام حرم علينا ضرب الوجه مهما كانت الاسباب قوية وداعية لانه موضع التكريم الذي لايجوز ان يعرض للاهانة وهو امر الهي يجب على الجميع احترامه وليس المدرس فقط وان كان اولى حتى يستقيم العود التربوي. من هذا المنطلق التربوي كذلك جاء الامر بالنهي عن وشم وجه الحيوان بالنار وضربه لأن فيه الكرامة وان كان مخلوقا للسخرة, ومادمنا في أروقة المحاكم فنعود من امريكا الى القاهرة عندما أكدت محكمة القضاء الاداري في مصر على حظر إيذاء الطلاب بدنيا في جميع مراحل التعليم قبل الجامعي, سواء بالضرب أو أي وسائل أخرى, كما يفصل الطالب نهائيا اذا ما ثبت اعتداؤه على احد المدرسين. وقضت محكمة القضاء الإداري بوقف قرار فصل طالب بالثانوية العامة ادعت احدى الادارات التعليمية اعتداءه بالضرب على احد المدرسين خلافا للحقيقة. وكان ولي امر الطالب أقام دعوى قضائية ضد وزير التربية والتعليم لوقف قرار الادارة بفصل نجله, وقال الوالد في دعواه ان نجله تعرض للضرب المبرح من احد المدرسين المكلفين بحراسة البوابة مما نتج عنه كسر في اصبع يده, كما ان الوحشية التي تعامل بها المدرس جعلت نجله يدفعه دفاعا عن نفسه. وقالت المحكمة ان قرار فصل الطالب يفتقر الى الاسباب الصحيحة التي تبرره. عندما تحيا العدالة التربوية تموت مظالم الجلادين الذين يسمون زورا بالمدرسين, فهل نسمع لدينا صوتا للعدالة التربوية عاليا؟.. فهذا ما نحن بانتظاره بعد أيام.