مثل معظم الوافدين الذين اسعدهم الحظ واقاموا في دبي, سمعت الكثير من الحكايات عن المغفور له الشيخ راشد, وكلما سمعت اكثر, كلما ازداد اعجابي بهذه الشخصية الفذة وفي كل مرة كنت اطرح فيها سؤالا, كان محدثي لايكتفي بالرد باجابة مختصرة بل كان يسرد خيطا من الذكريات الشخصية , وكان الكل يتكلم عنه بحماس لم يكن نابعا فقط من الشعور بالانتماء للوطن ومن الاحترام لشخصه. وما ادهشني على حد سواء هو انني لم اجد اية دراسة جادة مكتوبة عن الشيخ راشد. هكذا نشأت فكرة هذا الكتاب اصبح الشيخ راشد شخصية معروفة واشتهر خارج نطاق منطقة الخليج لما حققه من انجازات بعد ان ازدهر اقتصاد دبي بفضل البترودولار, وبالرغم من ان هذه الفترة من حياته تثير الاعجاب الشديد دون شك, الا انني وجدت انه كلما عدت ببحثي الى الوراء, كلما تكشفت امامي ابعاد مثيرة لحياته في مراحلها الاولى. والواقع ان قراءة تاريخ تلك الفترة ليس بالامر السهل فليس هناك سجلات مدونة تغطي الجزء الاكبر من هذا القرن والشيخ راشد نفسه لم يكن مهتما بتوثيق اعماله فكان اهتمامه الاكبر منصبا على الانجاز من اجل المستقبل بدلا من تضييع الوقت في تسجيل مآثر الماضي. كان الشيخ راشد رجلا بعيد النظر لاينتظر حدوث الامر حتى يبدأ في تحليل ابعاده وكان يتخذ القرار بسرعة ويشرع في تنفيذه على الفور, وقبل ان يجد نفسه مطالبا بالالتزام بالاعراف الدولية, بعد ان اصبح لدبي شأن على الساحة الدولية, كان الشيخ راشد يلتزم تجاه الطرف المتعامل معه بمجرد المصافحة بالايدي, وكان هذا هو الاسلوب البدوي التقليدي في عقد الصفقات والمدهش في الامر انه كان اسلوبا فعالا وناجحا وكان الشيخ راشد يوفي بالتزاماته ويتوقع من الطرف الآخر ان يلتزم هو ايضا, دون الانتظار حتى يتم تحرير عقد رسمي بينهما. ان المصدر الوحيد المتوفر الغني بالمعلومات المدونة هو ارشيف الحكومة البريطانية الذي يحتوي على تقارير مفصلة تكشف خبايا تاريخ المنطقة حتى عام 1971 عندما انسحب البريطانيون من منطقة الخليج, وبالرغم من ان التقارير التي اعدها مختلف المفوضين السياسيين كتبت من وجهة نظر اجنبية وانطلقت اساسا من مصالح بريطانيا في المنطقة الا انها سجلت بدقة احداث تلك الفترة, بل وكان البعض منها يحتوي من حين لاخر على تحليلات للشخصيات التي كانت تلعب دورا رئيسيا في ذلك العهد فكان من الضروري ان اعتمد الى حد كبير على الحكايات والنوادر التي بقيت عالقة في اذهان الناس واقوم بتجميع الاجزاء المتناثرة لكي تكتمل في النهاية الصورة الواقعية لحياة وعمل الشيخ راشد واستطيع القول بان الحظ حالفني في ذلك. والواقع ان القيام بمثل هذا البحث واعداد كتاب كهذا هو امر يحتاج الى مساعدة ودعم كثير من الناس وبفضل تشجيع سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة استطعنا ان نتصل بكثير من الاشخاص الذين واكبوا مسيرة الشيخ راشد, ومنهم كثيرون تحدثوا للمرة الاولى عن تلك المرحلة من حياتهم واود هنا ان اتقدم بجزيل الشكر لكل من لبى دعوتي للتحدث عن تلك الفترة, ولكل من ساهم بقسط من وقته ليرشدني الى الاتجاه الصحيح في متاهة ماضي دبي غير المسجل. وقد اعلن في الثامن من اكتوبر عام 1990 عن وفاة الشيخ راشد بعد صراع مع المرض وعندها كتبت عنه صحيفة (ذي انديبندنت) The Independant البريطانية قائلة: لقد خلف الشيخ راشد وراءه امارة دبي التي تتفوق على كل مدن الشرق الاوسط الاخرى كمكان مناسب للعيش ومزاولة الاعمال, وكمركز اعمال يضاهي هونج كونج وسنغافورة, اما صحيفة (ديلي تلجراف) The Daily Telegraph فقد تحدثت عنه بصفته رجلا استقل في سلوكه المتميز عن التزمت السياسي العربي, وسحر كل من قابله ببساطته وفطرته البدوية. ربما يرى اشخاص مختلفون اشياء متفاوتة في شخصية الشيخ راشد لكن الامر الذي يجمع عليه الكل هو ان هذا الرجل كان ببساطة شخصية استثنائية.