الشيخ راشد انسان ودود يبادر بتقديم يد العون. وهو يبدو متنوراً الى حد كبير. هذه المواهب الشخصية بالاضافة الى موارد دولته تكفي, من كل الجوانب, لكي تجعل منه قائداً للساحل المتصالح: هذا ما قاله المقيم السياسي البريطاني عام1964عن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم . تدين دبي لبعد نظر الشيخ راشد بما أصبحت عليه اليوم, هذا الرجل الذي حكم الامارة لمدة تطول على مدة أي حاكم آخر لها خلال القرن الحالي. والشيخ راشد رجل سبق عصره في كل جوانب حياته. وقد امتد حكمه على مدى اثنين وثلاثين عاماً, منها عشرون عاماً كوصي على العرش. وشهد عهده مرحلتين من تاريخ دبي: ما قبل وما بعد اكتشاف النفط. لقد شبه أحد المفوضوين السياسيين البريطانيين مجلس الشيخ راشد بأسلوب كنيدي في ادارة البيت الابيض في واشنطن. وكان موفقاً في هذا التشبيه. فكما كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يخاطب كبار المفكرين والمبدعين في بلده ويحثهم على العمل والانجاز, كانت هنالك على بعد آلاف الأميال على ساحل عمان المتصالح مشيخة غير معروفة آنذاك, اسمها دبي. وكانت هذه المشيخة تشهد سياسة مماثلة. فخلال الخمسينات وبداية الستينات, كان الشيخ راشد يجمع حوله ليس فقط من كان قادراً على التفكير فيما لم يحلم به الاخرون فحسب, بل من كان قادراً على تحقيق هذا الحلم. والفرق بين هذا وذاك هو ان كنيدي كان يتحدى الآخرين بقدرة أمريكا على ايصال الانسان الى القمر, بينما أراد الشيخ راشد ببساطة ان يأخذ بيد شعبه في كفاحه من اجل البقاء والازدهار. أحلام كبيرة قبل سنوات عديدة من اكتشاف النفط, كان الشيخ راشد قد طور الخور وجعل من دبي مركزاً تجارياً رئيسياً على الساحل المتصالح. وأخذ ينفذ مشاريع متفائلة الواحد تلو الآخر, وكلها جاءت تنفيذاً لأفكار برزت في مجلس الحاكم. وبحلول بداية الثمانينات, تكونت لدى دبي بنية تحتية نافست البنى التحتية في دول الخليج الاخرى. توفي الشيخ راشد عام 1990. وبالرغم من ذلك مازلنا نتلمس بصماته في كل ما قام به من خطوات وأفعال ومازلنا نشعر بالطاقة التي عمل بها والسرعة التي أراد انجاز الأعمال بها. وقد لايصعب على المرء تخيل صباح احد الايام عام 1972 عندما استدعى الشيخ راشد نيفيل ألن احد مستشاريه الوافدين, واخذه الى رابية تطل على منطقة ساحلية خارج حدود المدينة بحوالي عشرين ميلا, مد الشيخ راشد ذراعيه واشار باصبعه قائلا هناك على امتداد هذا الساحل اريد ان أشيد ميناء ثم طلب من مستشاره ان يعطيه على الفور فكرة حول التكلفة التقديرية للمشروع, وامر ببدء التخطيط على الفور لتشييد (ميناء جبل علي) . هكذا برزت فكرة احد اضخم مشاريعه ميناء جبل علي والمنطقة الحرة بجبل علي, وهكذا اصبح حلمه اكبر ميناء من صنع الانسان في العالم اجمع بل واصبح بعد حائط الصين الكبير احد هيكلين من صنع الانسان على الارض يمكن رؤيتهما من القمر. تميز الشيخ راشد على صعيد الحياة العامة بضخامة الانجاز, بينما قنع ببساطة العيش على صعيد حياته الخاصة وبعيدا عن مظاهر الابهة والاغراق في الترف, ظل الشيخ راشد انسانا تقيا يبعد كل البعد عن التصنع واحتفظ بشخصيته البسيطة بينما كان يحقق لشعبه انجازات خالدة, والمثير للدهشة حقا هو ان هذا الرجل الذي حقق لشعبه الرفاهية وسيطر على ادارة ثروة هائلة, لم يغير من نمط حياته مقدار ذرة, وظل ذاك الحاكم الحازم والرؤوف في الوقت ذاته لم ينس هذا الرجل من هو ومن اين جاء ولم يستطع ان ينسى تلك الايام التي كان الناس على الساحل المتصالح يموتون فيها من سوء التغذية وظل طوال ثمانية وسبعين عاما يتذكر الماضي ويؤكد عزمه على العمل من اجل الا تشهد دبي مرة اخرى مثل تلك المصاعب والازمات. لقد بدأت مسيرة الشيخ راشد العملية قبل عقود من بدء تدفق عائدات النفط, وبالرغم من عدم تمتعه بأية خلفية تقنية او بتأهيل يزيد عن مجرد التعليم العام الاولي فقد مضى الشيخ راشد قدما يحاول ان يطور دبي بكل الوسائل ليجعل منها مدينة حديثة, حتى ولو كان ذلك من خلال الاقتراض من الدول المجاورة, فقد ادرك ان انجاز مشاريعه وافكاره يتطلب تحميل دبي بعض القروض قصيرة الاجل, طالما ان هذا سيؤدي الى زيادة رسوم المرور عبرالخور, مما مكن الشيخ راشد من سداد دين دبي لحكومة دولة الكويت في فترة زمنية قصيرة مما كان منصوصا عليه في الاتفاقية الاصلية, وهذا في حد ذاته بالاضافة الى الشعور العام بجدارة هذا الرجل بالثقة, جعل دولة الكويت والشعوب الاكثر ثراء انذاك تتقبل فكرة تمويل دبي بالمزيد من القروض. وعندما سألنا احد المصرفيين عن رأيه في الاعمال التي قام بها الشيخ راشد قال: ان القيام اليوم بمحاولة تنفيذ المشاريع التي انجزها الشيخ راشد انذاك, او حتى بعد عقد واحد من تاريخ بدء تنفيذ تلك المشاريع كفيل بافلاس بلد يفوق دبي في الحجم وفي مستوى الازدهار. موهبة فذة استطاع الشيخ راشد ان يتولى امور الحكم ببساطة وسهولة وعزة نفس, وقد بدا اتقانه لعمله واضحا في كل ما كان يقوم به من اعمال, سواء كان فض الخلافات بين القبائل البدوية, او التعامل مع قادة الدول الاخرى, او حتى مع مسؤولي المصارف التي مولت مشاريع دبي. وقد لاحظ كل من تعامل مع الشيخ راشد من مهندسين ورجال اعمال وساسة ماتميز به من عقل باحث عن حقيقة الامور واسئلة نافذة وذاكرة قوية, وكان هناك عرف التزم به كل من التزم به كل من تردد على مجلسه, وهو توخي الدقة في الحديث فقد كان الشيخ راشد قادرا على وضع يده على اي اختلاف في قول شخص بين اسبوع واخر. وقد كان الشيخ راشد نهما للعمل, شديد الاصرار على تحقيق النجاح, هكذا وصفه سليم شريفي الذي قابل الشيخ راشد لاول مرة عندما كان والده يعمل في مجلس الحاكم وهو يضيف قائلا: كان يحب الناس ويذكر لهم افضل مايتمتعون به من صفات وكان الجميع يعتبرونه والدا لهم, ولم يكن احد يقبل ان يخذله. ويتذكر قاسم سلطان مدير بلدية دبي كيف وضع الشيخ راشد اسس مستقبل باهر لدبي بفضل موهبته الفذة في استخدام موارد دبي بذكاء ومهارة, وعن اسلوب الشيخ راشد في اتخاذ القرارات يقول لم يكن الشيخ راشد حادا او متعجلا في اتخاذ القرارات, كان يركز عينيه الثاقبتين على محدثه ويستمع اليه بانتباه وكان يجلس ويفكر في كافة الخيارات المتاحة امامه, وقد كان يستغرق عدة ايام لكي يتخذ القرار وبمجرد ان يعلن عن قراره كان يطلب تنفيذه على الفور. ويقول رجل الاعمال خلف الحبتور (كان الشيخ راشد يتميز بهيبة تجعله يحقق مايريد, كان يتحدث باقتضاب وكان يوميء برأسه ويستخدم لغة الاشارة في مناقشة امور تقنية معدة مع المهندسين والمسؤولين الاجانب الذين لم يكونوا يتحدثون العربية. وفي تصريح صحفي نادر ادلى به الشيخ راشد في عام 1969 قال اني اتذكر الماضي عندما كان لدينا القليل ولكننا آمنا بالله تعالى, واحببنا وطننا, واخلصنا لشعبنا وقد وفقنا الله في تطوير بلدنا, وتعزيز الحركة التجارية فيه وتذليل العقبات التي كانت تحول دون تقدمه, لكي نسهم في تنمية التجارة وتحقيق الازدهار والرفاهية لقد عقدنا العزم على مواصلة العمل من اجل تحقيق النجاح التام في مزاولة التجارة في بلدنا ومن اجل منفعة المنطقة بأسرها ونحن نعمل على تحقيق ظروف معيشية افضل من اجل شعبنا, وقد بدأنا بالفعل في تشجيع مزاولة اعمال البناء والتشييد وتوفير الخدمات الاساسية ذات الاهمية الحيوية. القناعة بالرسالة والموهبة القيادية الفذة والذاكرة الفوتوغرافية الحادة, والارادة القوية من اجل تحسين احوال الناس, كل هذه ميزات تمتع بها الشيخ راشد وساهمت في تحقيق هدفه, وبفضل كل انجازاته كان جديرا بأن يسجل التاريخ اسمه كأحد اعظم شخصيات القرن العشرين. جولات الصباح تميز يوم الشيخ راشد منذ شبابه بالنشاط والعمل المكثف, فقدكان يستيقظ في الخامسة صباحا ليؤدي الصلاة, وعندما كان يغادر منزله في الصباح, كان الناس لايزالون نائمين, وكان يقوم بجولة في المدينة على ظهر حصان او جمل, وبالسيارة فيما بعد, لكي يتابع بنفسه سير المشاريع والاشغال العامة. ولم يكن سرا ان الشيخ راشد واظب على هذه الجولات الصباحية غير الرسمية, حيث كان ينتقل بدون صحبة اي من حراسه أو اتباعه. وبالرغم من ذلك, كانت رؤية الحاكم وهو يسير وحده في شوارع المدينة امرا مثيرا للعامة. وبحلول الساعة الثامنة صباحا يعود الشيخ راشد الى منزله لتناول فطور خفيف قبل ان يتوجه الى مركز الجمارك الذي اصبح مكتبا رسميا لحاكم دبي. وقد واظب على بدء عمله اليومي بالمركز في التاسعة من صباح كل يوم, وكان المركز مبنى متواضعا يطل على الخور افتقرت غرفته الواحدة الى مظاهر العظمة او الجاه التي عادة ما تصاحب مثل هذه المناصب العليا. كان الشيخ راشد يجلس دائما على كرسي خشبي وراء مكتب صغير تغطيه الاوراق, بينما كان ضيوفه يجلسون على مقاعد او ارائك لا تقل تواضعا. وكان المكتب الخاص بالحاكم بسيطا الى درجة ان اشخاصا غرباء رأوا الشيخ راشد نفسه ذات مرة وظنوا انه مجرد كاتب بسيط. وقد ارضت هذه الحادثة روح الدعابة لدى الشيخ الحاكم. وبعد عودته الى منزله في المساء, كان الشيخ راشد يتابع اعماله من خلال لقاءات المجلس التقليدية, حيث كانت الفرصة تسنح للحاكم لمقابلة الناس والتعرف على مشاكلهم وشكاواهم, وكان الشيخ يولي أهمية كبيرة لهذا الواجب الاجتماعي, حتى وهو يشعر بالتعب أو الألم, لم يكن ليرفض ان يغلق الباب في وجه أحد. وكان دائما صبورا في الاستماع للجميع. يعقب زكريا الدولة, مالك عقارات, على صبر الشيخ راشد قائلا: (كان من المنتظر دائما ان تثار الشكاوى في المجلس, الا ان بعض الافراد كانوا لا يشعرون بأي حرج في عرض شكاواهم يومياً على الشيخ. وكان هو يجلس و يستمع اليهم بصبر. وفي احدى الامسيات, دخل شخص مثير للمشاكل اعتاد على المجيئ الى المجلس لعرض الشكاوى. واخذ هذا الرجل في التحدث بحدة الى الشيخ راشد في حضور عدد من اتباعه, من بينهم حميد بن دري الذي طلب من الرجل ان يترك الشيخ راشد وشأنه) . ويستكمل بن دري القصة: (قلت للرجل ان يصمت ولكن الشيخ راشد تدخل باستياء واصر على ان يكمل الرجل حديثه واستمع الى شكواه حتى انتهى. تلك كانت شخصيته. فقد كان ينحي الشؤون السياسية جانبا لبعض الوقت حتى يستمع الى افراد المجتمع. وكان بالفعل يهتم بشعبه) . وبعد الانتهاء من مزاولة الاعمال الرسمية في المجلس حوالي الساعة التاسعة مساء, كان الشيخ راشد يحول المجلس الى منبر للنقاش والتشاور. وكان يحيط نفسه دائما بأشخاص كان يحترم اراءهم ويعتقد انهم قادرون على تحقيق المهام التي حددها لهم, وكان هذا شيئا من الواجب توفره في كل من يعتبره الشيخ راشد صديقا له. وهكذا كان الشيخ راشد يسترسل في التعبير عن احلامه وطموحاته. يذكر ان سيف احمد الغرير رجل الاعمال المعروف في دبي, وعميد اسرة الغرير التي امتدت جذورها في مدينة دبي لما يزيد على قرن, ان (الشيخ راشد اعتاد فتح باب النقاش في المجلس, فاذا ما كان لديه فكرة او مشروع ما كان يطلب من الحاضرين ومن الاشخاص الذين يثق بهم ان يعبروا عن وجهات نظرهم حول المشروع, وكان الشيخ راشد يجلس ويستمع بانتباه ويراقب اسلوب تبادل الحديث بين الحضور. وغالبا ما كان يطرح احدهم حجة ما ويدور حولها النقاش للتوصل الى ما هو مفيد للصالح العام. وكان الشيخ راشد يدلي برأيه دون ان يؤدي ذلك الى ايقاف النقاش او منع احد عن التعبير عن أي رأي مخالف. وهكذا امتاز المجلس حقا بالحيوية) . يبدو ان هذا الاسلوب كان ناجحا فعلا. فقد جمع الشيخ راشد حوله مجموعة من الرجال الذين اعتبرهم اكثر رجال المجتمع ذكاء. وطلب منهم ان يخرجوا بأفكار لم تخطر على بال أحد بعد. وعندما بدأت مرحلة تنفيذ هذه المشاريع اسند الشيخ راشد مهمات التخطيط والتنفيذ الى عدد من هؤلاء المقربين من اجل انجاز المشاريع الاكثر طموحا التي شهدتها دبي. وقال دونالد هولي Donald Hawley مقيم سياسي بريطاني سابق, لزملائه في قسم البلدان العربية التابع لوزارة الشؤون الخارجية البريطانية ان مجلس الشيخ راشد في دبي يذكره بالـ (كاميلوت Camelot) الذي كان يرأسه الملك آرثر ذو الشخصية الاسطورية. وقد لعب مجلس دبي التقدمي دورا هاما في تعزيز التنمية في دبي, وكان الشيخ راشد لا يتهاون مع اي شخص يخذله, بينما كان سخي العطاء لكل من يثق به من اعوانه مما اثار قلق بعض المراقبين, ففي عام 1961 ارسل المفوض السياسي تقريرا قال فيه: (حاولت مرارا ان اثني الشيخ راشد عن التخلي عن ارضه التي تعتبر ثروة لا تعوض بالنسبة لدولة فقيرة, الا انه استمر في منح الاراضي لاناس يستطيعون دفع ثمن الارض. وقام ذلك اليوم بمنح قطعة ارض كبيرة مبينة على خريطة المدينة كقطعة احتياطية للبلدية) . وليس هناك شك في عدم وجود اي تسلط في سلوك الشيخ راشد. فقد كان على اتم الاستعداد لتعديل خططه في نهاية المجلس آخذا بعين الاعتبار ما سمعه من آراء. ولعل الافكار التي كانت وراء اهم المشاريع التي انجزتها حكومة دبي قد نبعت في مجلس الشيخ راشد. وكان المجلس يتألف من عدد يتراوح بين عشرين وخمسين شخصا من الذين شاركوا في تنفيذ طموحات واحلام حاكمهم. كانت المناقشات الحية تستمر حتى يصل المجلس الى خلاصة للموضوع, او حتى يشعر الشيخ راشد بالاجهاد بعد يوم طويل من العمل الشاق ولم يكن ليتناول عشاءه الا بعد ان ينفض المجلس. اتبع هذا النظام بشكل منتظم باستثناء مرة يتذكرها زكريا الدولة: كان طهاة القصر يعرفون ان الشيخ راشد اعتاد على الاتصال بالبوابة الرئيسية قبل عودته الى القصر. وكانت نفس المجموعة من الحراس هي التي اعتادت على العمل في دورية المساء. الا انه ذات مرة, كان هناك حارس جديد لم يكن يعرف صوت الشيخ راشد وعندما اتصل الشيخ راشد بالبوابة رد عليه الحارس بلهجة متشددة ناهيا اياه عن الاتصال مرة اخرى قائلا: له ان يجد مطعما يتناول فيه العشاء. عجز الشيخ راشد عن التعقيب وانفجر في الضحك. وحتى عندما قال للحارس من يكون, لم يصدقه الحارس وظن انه شخص يمزح. ولحسن حظ هذا الحارس كان الشيخ راشد انسانا لديه حس الفكاهة. فقد اخذ هو يروي هذه الحادثة مرارا وطوال اشهر معدودة في مجلسه. انجازات متميزة مع نهاية السبعينات بدأ العمل في عدد من اكثر مشروعات الشيخ راشد اثارة للجدل. ففي يوليو 1979 قام حاكم دبي بافتتاح رمزي لميناء جبل علي الذي كان قد بدأ نشاطه بالفعل. وكان هذا المشروع الضخم وتكاليفه الكبيرة مازال يثير مخاوف الكثيرين من اعضاء حكومة دبي. وكان ميناء جبل علي وهو اضخم ميناء من صنع الانسان يشمل مبدئيا نحو 70 الف قدم مربع للتخزين و850 الف متر مربع من المناطق المكشوفة وقد استغرق العمل به نحو ثلاث سنوات, لقد تم بناء الميناء في منطقة رملية صحراوية تبلغ مساحتها نحو 25 فدانا وقد تطلب انجاز هذا المشروع الضخم ازالة اكثر من 160 مليون ياردة مربعة من الرمال والحصباء والحجارة ويعتبر ميناء جبل علي واحداً من اضخم مشروعين انجزهما الانسان على وجه الارض. المشروع الآخر هو سور الصين العظيم. وهما المشروعان الوحيدان اللذان يمكن رؤيتهما من على سطح القمر وقد بلغت تكلفة بنائه 6.2 بليون درهم, (3 مليارات دولار), غير انه عانى من انطباع بعض الاجانب الذين وصفوه بأنه بطة عرجاء. وبناء على تعليمات من الشيخ راشد في عام 1975 شهدت المنطقة الصناعية القريبة من جبل علي انشاء شركة دبي للالومنيوم (دوبال) بتكلفة مبدئية بلغت 800 مليون دولار. وتعتبر الشركة اليوم واحدة من اكبر منتجي الالومنيوم في العالم ومصدرا اساسيا للعملة الاجنبية في البلاد. وتمت الاستفادة من الحرارة العالية الناتجة عن صناعة الالومنيوم في تشغيل محطة كبرى لتحلية المياه تنتج نحو 25 مليون جالون من المياه العذبة يوميا. وبالقرب من دوبال انشئت شركة دبي للغاز الطبيعي المحدود (دوجاز) بتكلفة قيمتها 400 مليون دولار, وهي اليوم واحدة من اهم المؤسسات الصناعية في منطقة الخليج, والتي انشئت بمرسوم من حاكم دبي عام 1977 وفي نفس السنة امر بانشاء شركة كوابل دبي (دوكاب) في نفس المنطقة, بكلفة 22 مليون دولار. من اجل الاتحاد بدأت دولة الامارات العربية المتحدة تصمد لاختبارات الزمن في السنوات الاخيرة من السبعينات بعد ان ولدت بسرعة نتيجة الاضطراب الناشىء عن انسحاب بريطانيا من شرق عدن وصمدت في وجه عدم استقرار حاد في الشرق الاوسط وقد نشطت الامارات السبع بشكل جيد ضمن هيكلها الاتحادي, وبدأت تجني مكاسب الاتحاد وحققت تنمية مستمرة وثبت خطأ المتشككين في الاتحاد والذين وصفوه بانه زواج مصلحة لا يلبث ان ينفرط بالطلاق. وفي 27 نوفمبر 1976 أعاد المجلس الأعلى للاتحاد انتخاب الشيخ زايد رئيساً للدولة, والشيخ راشد نائباً للرئيس لمدة 5 سنوات اخرى, وبرز حاكم دبي كمرشح لتولي رئاسة الوزراء التي يمكنه من خلالها الاشراف على عملية الاندماج بالايقاع الذي يعتبره هو والشيخ زايد ممكن التحقيق وفي 25 ابريل 1979 استقالت الحكومة الاتحادية. وكلف الشيخ راشد برئاسة الحكومة بالاضافة الى منصبه كنائب لرئيس الدولة, وقام بتشكيل ادارة جديدة موجهاً اياها الى اتجاه مألوف وبخطوات محسوبة جيدا. وكتبت صحيفة انديبندنت تقول اصبحت فلسفة رئاسة الشيخ راشد للوزراء واضحة على الفور, لقد انعش الاقتصاد وقالت صحيفة ديلي تلجراف في وقت لاحق لقد ساعد على تقوية الاتحاد بدعم مشاريع التنمية في الامارات الاكثر فقرا وفي ذروة عمره كان الشيخ حاكما ديناميكيا نشطا. وكانت سنة 1979 سنة خاصة بالنسبة للشيخ راشد شخصيا فقد كانت حكومة الامارات العربية المتحدة التي شكلها برئاسته تقوم بعملها بشكل جيد وكان الاتحاد في افضل حالاته والامارات المكونة له افضل تماسكا عن ذي قبل وكانت دبي تنطلق في ازدهارها وكانت السبعينات سنوات جيدة بالنسبة لامارته واصبحت البنية التحتية التي ارساها الشيخ راشد في الستينات جاهزة لخدمة المدينة الدولة عندما بدأت عوائد النفط في الازدياد وبتلك البداية المتقدمة قضت دبي سنوات السبعينات في تسارع محموم نحو التنمية وبحلول عام 1979 اصبح العديد من اضخم المشروعات التي شهدتها منطقة الشرق الاوسط جاهزا للعمل فقد كان ميناء جبل علي وحوض دبي الجاف في انتظار حفل الافتتاح وكان كلاهما قد استكمل في منتصف العام قبل تاريخ الحدث الخاص الذي انتظره الشيخ راشد نفسه طويلا. ومع بداية عام 1981 كان قد مضى على قيام الاتحاد نحو عقد من الزمان وكان الشيخ راشد البالغ من العمر التاسعة والستين آنذاك تغمره سعادة لاتضاهيها سعادة. فقد كان رحمه الله فخورا بما تم انجازه في سبيل الاتحاد واستمراريته. فقد كانت للشيخ راشد اليد الطولى في ذلك في نفس الوقت الذي كانت فيه دبي تسمو فوق موجة من الازدهار الذي احدثته عوائد النفط كما وانها قد بدأت تحتل مكانتها ككيان حديث. وقد سخرت مشروعات البنية التحتية التي ارساها الشيخ راشد منذ الستينات في تكريس النجاح الذي تعيشه دبي في الوقت الحاضر. وسار ابناؤه في خطاه وتسلموا مناصب وزارية هامة في الحكومة حاملين معهم رؤية الشيخ راشد لدولة اكبر واصبح ولي عهد دبي صاحب السمو الشيخ مكتوم نائبا لرئيس وزراء دولة الامارات العربية المتحدة, والشيخ حمدان وزيرا للمالية والصناعة والشيخ محمد وزيرا للدفاع والشيخ احمد قائدا للمنطقة العسكرية الوسطى في دبي. وكان كل منهم مستمرا في حمل ميراث والدهم بطريقة ما في نفس الوقت الذي كانوا يديرون فيه شؤون دبي بالشكل الذي وضعه الجيل السابق.