بعد التحية: بقلم د. عبدالله العوضي

الشعارات التي تطرح في المجتمع كثيرة, وعندما نسمع مثلا عن الانسان قبل المكان فهذا يعني بأن النظام الذي سوف يقوم بتطبيق هذا الشعار يختلف تماما عما كان سائدا في الفترة الماضية, وإلا كان رفعه في هذا الوقت ليس له جدوى عملية . وأجمل من الشعار ذاته عندما يتحول إلى نموذج يحتذى ويضرب به المثل من القاصي والداني, الصديق والجافي بالدليل القاطع على الحياد التام, والبعيد عن جو المجاملات التي تذهب أحيانا ببهاء الشعار ذاته وان كان هذا الأمر لا ينتهي إلا ان التجريد فيه حسن والتمسك به أحسن. ولم أضرب المثل بشعار الانسان قبل المكان لأن شرطة دبي هي صاحبة الحق فيه, وانما لأنتقل بالحديث إلى شعار عملي ظهر في سنغافورة عنوانه (كل مدرس شرطي) ويعذرني القارئ في هذه الأيام لكثرة الحديث عن كل ما يمس التربية والتعليم سواء في المحلي أو الخارجي ففي هذا الهم كلنا سواء في العالم. ولا اتعمد التركيز على هموم التربية وانما المراقب والراصد لما ينشر في هذه الفترة من أخبار يجد بأن الكم الهائل منه يسعى وينحاز إلى كل ما يتعلق بالتربية والتعليم والعلم والعلماء والاختراعات العلمية التي تلف وتدور حول قطار التربية والتعليم ولا تستطيع ان تنفك لحظة واحدة, عن سككها الحديدية. ما حكاية كل مدرس شرطي هذه التي نزعج بها قطاع التربية والشرطة معا, وإذا صدق الشعار الجديد الذي سوف يرى النور قريبا والعهدة هنا على السماع وليس على التوثيق بأن كل مقيم شرطي فإن الموضوع برمته سوف يبتعد عن الازعاج الذي لا نرجوه لأحد. ما هي العلاقة المباشرة بين كل شرطي مدرس, وبين ما نريد الوصول إليه في سنغافورة أولا, ثم عندنا ثانيا, ان مربط الخيط هو جرائم الأحداث وأعمال العنف المتزايدة في الكثير من المجتمعات البشرية في الفئة العمرية التي ما زالت تجلس على كراسي التربية والتعليم في كافة المراحل الدراسية بدءًا من المرحلة الابتدائية وانتهاء بالمرحلة الجامعية. هذه حقيقة اجتماعية لا نستطيع انكارها ولا ردها وكل ما نستطيع عمله هو التعامل معها من أجل الوصول إلى أفضل السبل للمعالجة المتأنية البعيدة عن التشنجات الجانبية, ومما يؤسف له اننا ننكر أحيانا كثيرة على أبنائنا أفعالا كنا نقوم بها ونحن في مثل أعمارهم بل أفعالا لو عرضت على القضاء والمحاكم لما توانت من اصدار أحكام خاصة بها. واليوم نستهجنها ونستغرب وقوعها وكأن الذي أمامنا لا يقع إلا في الكواكب البعيدة عنا ولا علاقة له بالأرض التي نطؤها بأقدامنا ومع ذلك ننكر وجودها. الغريب من أمر سنغافورة انها اتخذت مبدأ كل مدرس شرطي من باب الحيطة والحذر والوقاية من الشرور القادمة, وتفاقم الأوضاع فهي تتقي شر أعمال المراهقين قبل الدخول في (حيص بيص) المشكلة ساعة وقوعها. في ضوء هذا أعلن المسؤولون في سنغافورة انه سيتم تعيين مدرس شرطي في كل مدرسة من المدارس الثانوية التي يبلغ عددها 157 في هذه الدولة الصغيرة. وذلك على الرغم من عدم وجود أي مؤشر على تزايد نزعة العنف بين الصغار فإن مفوض الشرطة أشار إلى ان كل جريمة يرتكبها حدث واحد (هي جريمة من جانب كثيرين) . هذا وقد بدأ تعيين المدرسين في وظائف ضباط شرطة في يوليو عام 1997م ويغطي النظام الآن 60% من المدارس الثانوية في سنغافورة, وأظهر حصاد هذا النظام في آخر الاحصاءات اعتقال ألف وأربعين حدثا (1040) تتراوح أعمارهم بين سبع وخمس عشرة سنة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي مقابل 1737 حدثا في الفترة المناظرة من العام الماضي, أي بانخفاض نسبته 40%. كما أشارت الاحصاءات الخاصة بالصبية الذين تتراوح أعمارهم بين سبعة وتسعة عشر عاما إلى تراجع في عدد المعتقلين حيث انخفض عددهم من 3438 هذ العام إلى 2225 العام الماضي كما انخفضت أعداد المعتقلين بتهمة ارتكاب جرائم خطيرة مثل حيازة سلاح أو الحاق ضرر بالغير بمعدل يتراوح بين 15% و 30%, وقال المدرسون الشرطيون ان السلطات المخولة لهم أثبتت فعالية كبيرة في حفظ النظام, كل أنظمة الأمن الاجتماعي في الدول المتقدمة بدأت تركز على الوقاية قبل الوقوع في الجناية د. عبدالله العوضي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات