في ظل السباق المحموم لحوادث السيارات اليومية برز في الآونة الأخيرة عامل جديد وسبب قلما يتم التعرض له كسبب مباشر لحادث بعينه, ومن المعروف علميا بأن الحوادث في الغالب تقع في لحظة ارتداد الطرف, وهي حسابيا تساوي واحد من مليون من الثانية وهي الواردة في سورة النمل(.. أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك..)(الآية 40)هذا الأمر المعجز ذاته يعجز السائق على الطريق العام القيام بأي تصرف يمنعه من تفادي الحادث المقبل عليه, مع أنه في نفس الوقت لم ينتقل من مرحلة النعاس الى مرحلة النوم العميق. وارتداء الطرف كلنا يقع فيه وهو حركة طبيعية للعين البشرية ولكن مع ذلك تتخللها لحظات من الغفلة وعدم الانتباه الذي يتحول في ذلك الجزء من الثانية الى مأساة اجتماعية تستمر آثارها السلبية في كثير من الأحيان مدى الحياة. ونحن بصدد الحديث عن ظاهرة النوم الكامل اثناء قيادة المركبة ونسمع عن ذلك أحاديث مفردة في المجالس عن أناس يعترفون فعلا بأنهم ناموا ومع ذلك أنقذهم الله من شر الحوادث, فهذا الانقاذ الالهي غير مبرر لاستمراء هذا السلوك الذي بحاجة الى دراسات أمنية من قبل الجهات الخاصة كقيادات الشرطة وبالذات مراكز الابحاث فيها للقيام بدراسة ميدانية عن نسبة الحوادث المرورية التي للنوم دور مباشر فيها. هذا أمر, والأمر الآخر يتعلق بالفئة التي تضطر لقيادة السيارة ولو غلبها النوم, وهؤلاء غالبا ممن يؤدون الوظائف اليومية في وقت مبكر جداً من الصباح, وقد يكونون في ليلتها لم يشبعوا من الوقت الكافي للنوم في الوضع الطبيعي الذي يتراوح بين ست الى ثماني ساعات يوميا اذا أراد الانسان أن يتمتع بالصحة الجيدة والنشاط المستمر طوال ذلك اليوم وليلته. وهنا يطرح السهر الطويل نفسه كظاهرة شاهدة سواء حول وسائل الترفيه المنتشرة في البيوت وغيرها من الأماكن المعروفة لتجمعات الشباب والشياب معا الى درجة الادمان لدى البعض, وهذه الشريحة معرضة أكثر من غيرها للحوادث المرورية التي يكون لعامل النوم دور مباشر في وقوعها سواء في فترة المساء أو الصباح. أعتقد بأن الدراسة العلمية لهذه الظاهرة المتنامية أصبحت ضرورة أمنية للسلامة في الطرقات العامة ووجود أدلة وبراهين واضحة يجعل من الموضوع أكثر واقعية وأسهل في نشر الوعي الاجتماعي في هذا الإطار. وما ألزمنا بكتابة هذه السطور في ضرورة دراسة الظاهرة في شكلها العلمي هو قراءتنا لهذا العنوان الذي يقول: اصابة سائقين بالشارقة بسبب (النوم) وتجاوز الاشارة الحمراء, أما الأخيرة كسبب فلا يخلو حادث من ذكرها ولكن الأول ألا وهو النوم فبحاجة ماسة الى اعادة ترتيب أوراقه حتى نعيد الميزان الى مكانه. فحياة الانسان أغلى من أن تذهب في لحظة غفوة أو نعاس ونوم عميق لدى البعض, فلم يخلق النوم إلا لإراحة الانسان من التعب المستديم طوال فترات الكد والكدح المعروفة, فبقليل من زيادة فترات الراحة الطبيعية نضمن الكثير من سبل الوقاية من شر الأعمال. فلا نريد أن يتحول نوم الانسان في غير مكانه ولا وقته الى أحاديث مريرة ولا أيضا في تبرير المثل القائل بأن (النوم سلطان فوق كل السلاطين) وذلك حتى نسلم اليه أرواحنا ثم نلقي اللائمة عليه وكأننا استدرجنا من حيث لانشعر, فالنوم الأصل فيل أنه نعمة لاتقدر بثمن لأنه لا يشترى فهو هبة الرحمن الى البشرية, ولكن نقلها الى غير مكانها وزمانها يجعلها تتحول الى نقمة من صنع أيدينا. د. عبدالله العوضي