نسمع ونقرأ يوميا عن جرائم الانتحار سواء من الداخل أو الخارج والكل يتفق على مسمى الجريمة لهذا النوع من الفعل أو السلوك الضعيف, ولكن مع تطور الايام دخل إلى الساحة نوع اخر من جرائم الانتحار نسميه مجازا جريمة(الانتحار التربوي).لهذه الجريمة الجديدة شركاء ثلاثة يؤدون في النهاية إلى نفس الفعل وكأن هناك شبه اتفاق على ارتكاب أو حدوث هذا الفعل الغريب اليوم أو غدا . الطرف المباشر والرئيسي هو وزارة التربية والتعليم التي فرضت على المدرس نصابا اسبوعيا من الحصص يصل إلى 24 حصة اي بمعدل 4.8 حصص في اليوم الواحد اي مرة اخرى الاستمرار في الشرح المتواصل ولمدة 240 دقيقة في اليوم وبمعدل اربع ساعات بحيث يخرج المدرس من حصصه وهو بحاجة ماسة إلى مساج من نوع خاص للحنجرة كالذي يقوم به بعض المطربين والمطربات حتى يتمكنوا من اعادة اصواتهم إلى صوابها وحبالهم الصوتية إلى سابق عهدها. ولو اضفنا إلى كل ذلك طول فترة الدوام المدرسي نتيجة الاجازة الاسبوعية الجديدة (الخميس) والتي لم تستطع التربية إلى الان الا اعتماد مبدأ الاطالة في كل الحصص, ولو كان ذلك على حساب الجودة والاتقان في الاداء بعد ان تتحول العملية التربوية برمتها إلى ماراثون يسابق بها الجميع زمن الوصول إلى الانتهاء من المقرر وفق ما هو مرسوم سلفا. ومن قل نصابه عن ذلك المعدل الذي ذكرناه في البداية فانه تحقيقا للحق وارساء لجذور العدالة ومساواة بالمدرسين الاخرين في انصبتهم الظالمة, فان على الفئة الثانية سرعة الانضمام إلى أوجه النشاط المختلفة لكي يسد هذا مسد ذاك, لان المهم هو ان الكل يصبح في النهاية آلة تعليمية في ترس التربية الحديثة, والا فان الاعين الواسعة للموجهين التربويين أو الاداريين واللوائح التابعة والاجراءات اللازمة سوف تأخذ مجراها ولا احد منهم يحمل الهم الذي حملوه قبل ان يصلوا إلى منزلة الرقيب الذي لا يقتله الهم بل يقوي اركانه. نعود إلى الحجة التي تبرز لمثل هذا الضغط العالي على المدرس الذي نأمل منه ان يكون كذلك باحثا تحريريا واكيلا لكل محتويات المكتبة المدرسية وخبيرا لا يشق له غبار في الكمبيوتر ولا اعرف بعد هذا ان صح ان نطلق على كادر الانصبة الثقيلة صفة الرسول من صاحب الرسالة وليس النبوة ولن يوطوط مقام كاد المعلم ان يكون رسولا لعدم وجود الوقت الكافي ولا الجهد الوافي لتمثل قول شوقي رحمه الله. فلا يبقى لهؤلاء جميعا الا اداء الوظيفة المنوطة بهم كيفما اتفق الا من يكابد نفسه ويرهق بدنه واعصابه ويحيي ضميره التربوي لايصال الرسالة الصحيحة إلى من بين يديه من الامانة التي سيحاسب عليها لاحقا. التربية بعد هذا العمر المديد وهذه السنوات الطويلة من تجارب الخطأ والصواب لم تصل إلى اليوم للاستقرار في معظم قراراتها التي تؤثر فور صدورها على الاطراف الثلاثة التي اشتركت في جريمة الانتحار التربوي, الوزارة, المدرس, الطالب, الكل ينتحر في هذا الميدان. ولا يمكن لمن هذا وضعه ومجريات اموره اليومية ان يمارس الدور الحقيقي في التربية أولا ثم التعليم ثانيا من اجل شباب اكثر مسؤولية, واكبر وعيا بما يدور حولهم في العالم اجمع, فمتى يتم ايقاف هذا النوع من جرائم الانتحار التربوي للجهود الصادقة التي تبذل؟ ولكن الترقيع الحاصل الان لم يعد يملأ الفراغ الذي نحس به في مختلف القضايا الساخنة.