تحدثت عن مواعيد تسجيل الطلاب المستجدين في الصف الاول الابتدائي للاخوة الوافدين العرب, او رياض الاطفال للمواطنين, وقلت ان الوزارة تحدد اياما معينة في السنة, وفي العام حدت فترتين: الاولى في مارس, والثانية في يونيو . لكن الذي حصل هو ان الكثيرين تجاهلوا الفترتين, وجاءوا في بداية العام ( سبتمبر) ليسجلوا اطفالهم, وحجتهم الوحيدة انهم لم يعلموا. في الواقع ان مثل هذا العذر لايكون مقبولا, لانهم لايعيشون في الصحراء حتى يبرروا ذلك بانهم منقطعون عن العالم. ثم ان عدم الانتباه يعني الاستهتار, والاستهتار, اذا ماقوبل بالرفض القاطع تحول الى عادة كامنة في النفس, عندئذ تكسب المناعة, فتصبح غير مبالية بالنظام, وتعتاد عدم الانضباط. ان هؤلاء اليوم يطلبون من الوزارة ان تعطيهم فرصة ثالثة للتسجيل, وكأن شيئا لم يحصل, وتجعل عذرهم من الاعذار المقبولة. لكن الحقيقة ان الفرصة الثالثة هي ليست الاخيرة, لان الوزارة اذا استجابت لطلبهم في مثل هذا الوقت تصبح تلك الاستجابة بمثابة قانون او نظام مشروع. وفي بداية كل عام يتأبط كل منهم ولده يتوجه الى الوزارة لتسجيله. اذا فعلت الوزارة ذلك فكأنها كافأت المستهتر على استهتاره, ولكنها لم تكافىء الذي التزم بالمواعيد على احترامه للنظام, لانها عاملت الاثنين بميزان واحد والحق انهما مختلفان. اضف الى ذلك ان كسر القوانين يحرج المسؤولين الذين جاءوا ليعززوا القوانين ومن واجبهم ان يفعلوا ذلك, والا فلماذا تسن القوانين وتشرع اللوائح والانظمة؟ والواقع ان المسؤولين يحبون النظام, ويحرصون على تطبيقه لكن الضغط الذي يواجهونه من قبل اولياء امور الطلاب هو الذي يجعلهم يستجيبون لطلبهم احيانا, ويتنازلون عن بعض الشروط التي وضعوها. لكني اقول: هل من مصلحة المجتمع ان يضغط على المسؤول بان يتنازل عن النظام؟ ثم بعد ذلك هل لهذا التنازل حد معين كيوم او شهر او سنة او مرة واحدة مثلا؟ ام انه تنازل يجر تنازلا الى ان تصبح الفوضى سيدة المجتمع؟ اعتقد ان الحزم من المسؤول مطلوب, لكي يستطيع ان يفرض النظام. كما ان تعاون المجتمع وتفهمه مطلوبان ايضا, كيلا لايفسر الحزم بانه شدة وغطرسة, بعبارة اخرى ليس كل ترفع يعد كبرا, فالتكبر مع المتكبرين صدقة, وليس كل تواضع يعد عجزا وضعفا. اذن فان الذي يصنع النظام ويفرضه بعد الله هو المجتمع وليس المسؤول, فلماذا نخرق القوانين, ونحرج المسؤولين كل هذه الاحراجات؟ نطالبهم بل ونترجاهم في شيء, ما اغنانا عنهم لو تقيدنا بالنظام, والمواعيد المقررة. اننا نترجى وزارة التربية مثلا في ان تسمح بقيد ابنائنا في المدارس الحكومية. والحقيقة انها لم تمانع من ذلك, الا اننا صرنا نطلبه في غير اوانه, ومن طلب شيئا في غير اوانه عوقب بحرمانه. واود ان الفت النظر الى اننا ندرس ونتعلم, واذا لم يعلمنا التعليم حب النظام واحترام المواعيد فلماذا نتعلم اذن؟ واذا تساوى العالم والجاهل, وصار كل منهما يطالبنا بالتجاوز عنه فان البقاء على الجهل اولى, وعندئذ نقول ما قال الشاعر: أيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل كما انني من خلال عملي في وزارة التربية والتعليم من 23 سنة تحققت من امر, الا وهو ان الوزارة عودت الناس ان تصدر قراراتها التي تفرض النظام وحب النظام. والناس عودوا الوزارة ان تخرق تلك القرارات, وترضخ لمطالبهم, وكانت النتيجة ان الجهل الذي كان سائدا قبل 20 سنة هو الجهل نفسه يسود المجتمع اليوم, فبات كل واحد يطلب مايريد في اي وقت يريد, ضاربا بالنظام عرض الحائط. ولو ان الوزارة وقفت موقف الحازم منذ اليوم الاول ( لنقل من بداية الاتحاد) وعاونه المجتمع على ذلك لكان عندنا الآن نظام يحترم, ولما تأبط كل واحد عياله الى الوزارة ليطلب تسجيلهم في شهر سبتمبر, وهو يعلم ان الموعد قد انتهى؟ لكن يفعل ذلك لانه واثق من نفسه بانه سينتصر, وسيستجاب لطلبه, وبالتالي يزداد يقينا بان القوانين ما وضعت الا لتخرق. هذا الاعتقاد من المراجع خطأ فاحش فليرحم المراجع نفسه, وليرحم المسؤول الذي يراجعه, وليتذكر انه اب يربي, ومن اهم قواعد التربية السليمة القدوة الحسنة, فاذا كان يغرس في نفس طفله منذ اليوم الاول بان احترام المواعيد ليس فرضا فان الطفل سوف لن يحترم مواعيده هو ايضا, لان الجزاء من جنس العمل, والمثل يقول: من تعود على ان يسرق البيضة سرق الجمل.