انتهى مهرجان مفاجآت صيف دبي 99م ولم ينته الأثر وهو الاهم من كل شيء, ولو وقفنا نحلل كل فعالية على حدة لاحتجنا الى الساعات الطوال ولم تسع المساحة المتاحة في هذه الزاوية لذكر كل شيء, ونصل احيانا الى مزاحمة الافكار الى الصعوبة في الكتابة عنها او حتى اختيارها والموازنة بين ما يحبذ الكتابة في هذا اليوم او في اليوم التالي او الذي يليه . ومع ذلك عندما الحت عليّ دعوة خاصة كريمة لزيارة جناح (الفردوس المفقود) في مركز وافي تمنيت الا تمر دون تحقيقها, فدخلت الجناح فاحصا وليس عابرا فتذكرت العرب والمسلمين يوم ان كانوا سادة العالم وحضارة ضمت اليها واحتوت كل الحضارات السائدة منذ عرف للعالم شيء اسمه تاريخ بدون تعريف. (جنة الدنيا) الاندلس مررت عليها في دقائق وقرأتها وكأنني اسمع عنها لاول مرة فكم سعادة المرء ان يمر على ثمانية قرون من العطاء المتواصل للبشرية جمعاء في دقائق معدودة, هذا الاختزال العلمي جهد يشكر عليه كل القائمين على هذا المشروع وهو بحق مفخرة من مفاخر المفاجآت التي تحفر وتحفز في الوعي الباطن للابناء بأنهم يمثلون امتدادا لاينقطع ابدا عن عمق السماء. خواطر عديدة مرت عليّ وقد انطفأت منذ سنوات نظرا لتراكم الانشغالات الاخرى ولكن العقل الباطن لايغيب عنه الماضي ولاتختفي جذوره لانه اصيل وليس بطاريء. ان تاريخ الاندلس جزء هام من المقررات الدراسية لطلابنا في مختلف مراحلهم الدراسية ولكن هل يدرس هذا التاريخ الناصح والثري ويقدم اليهم وفق تحليل مبسط يتناسب مع المستويات الدراسية للطلاب ام يبستر ويختصر عرضه لان زمن الحصة اوشك دائما على الانتهاء. لسنوات ونحن ندرس التاريخ سردا ومادة تحفظ تواريخها دون وعي حقيقي بمضامينها ونخشى ان يأتي يوم ويلغى كما الغي المنطق والفلسفة بجرة قلم ودون دراسة مستفيضة وكما سمعنا ايضا بأن محو الامية في الطريق الى الالغاء واغلاق مدارسها لان نفرا من الدارسين لايحب الانتظام فيكون الجزاء في الحفاظ على الامية بدل مسحها من الوجود كما فعلت اليابان واحتفلت في اوائل التسعينات بأن اميا واحدا في المجتمع ليس له وجود بعد ذلك الاحتفال ابدا وبعدها اصرت على شعبها لمحو امية الكمبيوتر والقوم جادون والتقارير عن هذا المحو الجديد تنشر بشكل دوري ولكننا لانتعامل معها كحقائق تبنى على الارض. لا اعرف اليوم على وجه التحديد اين موقع الاندلس في سلم الفكر لدينا اهو تاريخ صرف ام خارطة جغرافية ام معلومة عامة ام سياسة يجب عدم الاقتراب منها لانها تذكرنا بماكنا وأين وصلنا, فالجواب اتركه للقارىء ولن اخوض فيه الان. اعود الى الجناح الذي خرجت منه لكي اثبت حقيقة واضحة اصر القائمون على هذا النشاط على توضيحها عندما جعلوا الفاصل بين ضياع الاندلس او فقدها ولادة جوهرة اخرى على ارضنا هنا ونحن مغمورون في خيراتها الى شحمة اذنينا وذلك عندما وضع القادة ـ وراء ظهورهم ـ الفرقة والشحناء والعداوة والبغضاء, ونظروا الى الامام بعين فاحصة من اجل نبذ تلك الآفات التي كانت جزءا رئيسيا من فقدنا للاندلس, فكانت النتيجة الحتمية هي دولة الاتحاد التي اعطت انموذجا للوحدة التي تغلبت على كل الهوامش المؤذية فاختارت المضي قدما لاتحاد ضم الايادي السبع المشدودة لبناء الافضل ونسيان الاسوأ من اجل اشراقة فجر جديد على امتنا العربية والاسلامية نعيد من خلالها رونق الفردوس المفقود عندما نساهم في بناء جنات ورياض اخرى تعوضنا عن الماضي. واختم خاطرتي في تلك الجولة السريعة بسؤال فحواه هل يعقل لانسان اي انسان وجد امامه فردوسا كالاندلس بين يديه ثم يتخلى عنها بكل سهولة وكأنها لم تكن فردوسا قط؟ ولايحدث هذا ابدا الا اذا حل مكانه نزعات دونية وخلافات على الكراسي الزائلة اضاعت الكرسي وما تحته وان كان جوهرة لاتقدر بثمن ولكننا وقعنا في هذه الفتنة فأضعناها حقا وياليتها كانت حلما.