ولا يظنن من فكر في مشروع البناء او الصيانة بان المبلغ المتفق عليه في العقد هو ما سيعتمد وهو ما سيكفي ويوفي الى اخر المشوار, فهذا ما ذكره لي اكثر من واحد, حدثني احدهم بانه وضع ثمانين الف درهم كميزانية خاصة لصيانة بيته, ونصحه اخر بانك ستدفع حالما يبدأ العمل اكثر مما خططت , يقول صاحبي بانني لم اصدقه ولكن ما ان انتهيت من عملية الصيانة هذه الا وقد وجدت بانني صرفت قرابة الاربعين الفاً حتى وصل الاجمالي الى مائة وعشرين الف درهم. ويحدث هذا الفارق لسوء التقدير وما ان يبدأ المقاول في الهدم فان طلباته الاضافية لا تنتهي ولا يملك المالك خياراً غير الدفع لانه لا يحتمل ان يرى مدة الهدم تطول ومصالحه الاجتماعية معطلة. وهناك عدد غير قليل ممن بدؤوا في البناء توقفوا عن الاستمرار لنقص التمويل والعجز عن دفع أقساط المقاول الذي لا يلتزم بالوقت المحدد للانتهاء ومع ذلك لا يتوقف عن المطالبة المستمرة وكأن هدفه الوحيد هو السعي لافلاس الناس الذين وثقوا في التعامل معه بدل مراعاة ظروفهم المادية والصبر عليهم بعد ان وضعوا كل ما يملكون تحت تصرف البنيان. نعم هناك غرامات معروفة في حال التأخير في عملية تسليم المباني ولكن في ذات الوقت انتظار تطبيق هذا الاجراء لا يكون لصالح الطرف الذي يحاول التخلص من ربقة الايجار المستمر كمصروف اضافي وغرامة اجبارية لان مواعيد انتهاء العقود لكلتا الحالتين لا يمكن ضبطها الا بالمزيد من الخسائر المادية والمعنوية التي لا تقدر بثمن. يمكن لكل راغب في المرور على المناطق السكنية الحديثة لرؤية المنازل (النص نص) مبنية والمهجورة من قبل اصحابها ولكل منزل قصة تستحق الرواية حتى ظن البعض بان البيت لم يعد صالحا الا لسكنى الجن والشياطين. فتتحول البيوت وهي جديدة الى اماكن لعبث المراهقين الذين يأتون للتسلية في كسر نوافذها وجدرانها وخلع ما يمكن من اضراسها فهذه حالات لا تخفى على كل مار في اي حي سكني اكتمل بناء ثلاثة ارباعه وبقي الربع الاخير في مهب الريح. من هذا المنطلق لا يفكر البعض في البناء ابدا وكل همه هو الحصول على بيت جاهز من أوله الى اخره ليشتريه ويسكنه كيفما اتفق اختصارا وحرقا للمراحل الصعبة التي يمر بها صاحب المنزل الجديد. فيتحول حلم البناء بهذه الطريقة الى هم لا يفارق الشاب اينما ذهب وفي اي مجلس دخل, فهذا بالتالي حديثه الذي يدندن به طوال الوقت وقد لا يتحمل الناس هذا الا على مضض ولكن ما العمل اذا لم يفرغ الانسان شحنات من همومه لدى الآخرين فما مصيره. فالبيت الذي يفترض فيه ان يكون مأمنا وملاذا للاستقرار نراه يتحول في لحظات التفكير في كيفية سداد مئات الالوف من الدراهم طوال فترة زمنية لا تقل عن ربع قرن وقد تخرج ابناؤه من الجامعة وهو مازال يدفع من ضريبة هذا البناء الشيء الكثير فكيف لمثل هذا ان يفكر لبناء شيء من المستقبل لابنائه على الاقل حتى لا يقعوا فيما وقع فيه الاباء. ولكن هيهات هيهات اذا استمرت الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية يضيق الخناق على الشباب بهذا النمط الصعب الذي نحس به فمتى يفرغ الشباب في التفكير في هموم الوطن الكبيرة والبعيدة عن التفكير في لقمة العيش وسداد الديون, فالموضوع ليس بالسهولة التي نتصور, فهو يأخذ احيانا كل مشاغل الانسان ليتفرغ في متابعة وضع الطوب على الاخر لسنوات في الغالب لا تكون عليه الا عجافا.