اكد الدكتور فهد السبهان المحامي العام بدبي ضرورة العمل على تضييق (دائرة الاتهام) واعادة النظر في بعض النصوص العامة التي تعتبر (فضفاضة) الى حد كبير . واضاف ان اتساع دائرة الاتهام يخلق فئات اجرامية اكبر من السابق ويؤدي الى دخول شرائح جديدة من عامة الناس في دائرة الجريمة. واشار السبهان في حوار مع (البيان) الى انه يجب اعطاء المشتكي الفرصة لايقاف سير الدعوى الجزائية وسحبها قبل دخولها لساحات القضاء, واسقاط القضية تماما في حالات التصالح بين الاطراف المتنازعة وذلك يتسق تماما مع تضييق دائرة الاتهام. مفهوم تضييق دائرة الاتهام وفيما يلي الحوار مع المحامي العام بدبي الدكتور فهد السبهان: * ماذا تقصد بمفهوم تضييق دائرة الاتهام وتقليل عدد الافعال الموجودة داخلها؟! ـ دائرة الاتهام هي دائرة تحتوي على مجموعة من الافعال التي يعتبر ارتكابها نوعا من انواع الجريمة. فالنقل المجرم على قاعدة افعل اولا تفعل بمعنى اننا نحدد دائرة المتهم بالفعل (أ) والفعل (ب) والفعل (ج) افعال مجرمة اذا فعل الانسان احداها يدخل دائرة الاتهام والتالي يتم نعته بالمجرم. هذه الدائرة اخذت تتسع في الآونة الاخيرة لان المشرع (الذي يشرع القوانين) يريد استمرار اضافة افعال جديدة للمجموعة السابقة رأيي انه اضاف للافعال السابقة (أ, ب, ج) افعالا جديدة (د, هـ) مما يعني اتساع هذه الدائرة وبالتالي ارتفاع نسبة احتمال دخول شرائح جديدة من عامة الناس في دائرة الجريمة والخطورة تكمن باننا امام احتمال تجريم نسبة اكبر من المجتمع, فكلما زادت الافعال المحرمة اتسعت دائرة الاتهام, وبالتالي كأننا نفتح ابوابا جديدة للجريمة. * ولكن هذا معناه بانكم تتقاطعون مع دور التشريعات الجنائية؟! ـ للاسف, فان دور التشريعات الجنائية حاليا محصور في اتجاه واحد وهو توسيع دوائر الاتهام وهو في نظري دور خاطىء لانه يخلق لنا فئة اجرامية اكبر من السابقة. * اذا بماذا تطالبون الجهات التشريعية؟ ـ لماذا لانقوم بدور تشريعي آخر وهو تضييق دائرة الاتهام والتجريم وبالتالي ستدخل فئة المجرمين في مجتمعنا الى اقل ما يمكن ان تكون عليه. ان الطرح يعتمد اولا على ضرورة ايقاف اتساع دائرة الاتهام ومفردة (لا تفعل) وهذا طبعا شريطة ان يكون موزونا بميزان الحكمة بحيث لانقف مكتوفي الأيدي دون تجريم افعال جديدة ولكن نعالج كل قضية بما يقتضي الحال. * هل معنى هذا ضرورة حذف بعض الافعال من دائرة الاتهام؟ ـ ليس بالضرورة ان يتم ذلك الآن, المهم ايقاف اضافة افعال جديدة لان الهدف الاساسي هو خفض اعداد الاشخاص الذين نطلق عليهم مسميات مثل (محكوم عليه) او (مجرم) . اضافة تشريعات جديدة * كيف يكون ذلك؟! ـ اولا باضافة تشريعات جديدة لتقييد النيابة العامة والذي يحدث حاليا هو عدم قبول النيابة لوجود مساحة للصلح قبل وصول الاطراف المتنازعة الى قاعات المحكمة وذلك بسبب الصلاحيات التي تخول النيابة العامة بدفع القضية الى المحكمة رغم ان صاحب الحق يريد التنازل والصلح فالذي يحدث حاليا ه ان المشتكي في حالات عديدة يتراجع عن شكواه ويرغب في ايقاف القضية عند نقطة ما ويتنازل لكن النيابة ترفض وتستمر في تفعيل القضية حتى تصل الى القاضي وبالتالي سيكون عندنا في نهاية الجلسة انسان تم تجريمه بالحكم عليه ويدخل الى حق دائرة الاتهام. حق التنازل * هل هذا يعني بان المشتكي لايملك حق التنازل؟! ـ انه يملك هذا الحق ولكن النيابة ايضا تمتلك حق الاستمرار في القضية. * وكيف يمكن ان تسيطر على هذ النقطة؟! ـ طالما ان اطراف القضية تصالحوا خارج النيابة واسوار المحكمة فما هي المصلحة في اجراء المحاكمة وادخال احد المتهمين في عالم (المحكوم عليهم, وهذا مهم جدا في قضايا الاحداث والاقارب من الدرجة الاولى والثانية والثالثة, اذا لابد ان تعتبر تنازل المشتكي قيد على النيابة العامة لحفظ الدعوى الجزائية والزامها بذلك الزاما تاما بحيث لايكون لها الحق في جر المتهم لقاعات المحاكم. * هناك قضايا لايوجد فيها طرف آخر (المشتكي ) مثل جرائم تعاطي المخدرات فكيف يمكن ان نتعامل معها حسب مفهوم تضييق دائرة الاتهام؟! ـ ان الفقه الجنائي الحديث يدعو الى ضرورة التعامل مع متعاطي المخدرات على انه مريض اكثر من كونه مجرم, فلماذا نزج بهذا المريض الى السجون طالما ان لدينا في القانون نصوص تسمح بأن نجعل هذا المدمن (المريض) خارج دائرة الاتهام اعتمادا على نص القانون القائل: (يجوز للمحكمة في غير حالات العودة (اي ان المتهم لم يرتكب هذا الجرم سابقا) ان تقوم بدلا من الحكم عليه بالعقوبة بايداعه في مصحة لرعاية المدمنين) فأحد اسباب اتساع دائرة قضايا المخدرات هو وجود سوء في التقدير وعدم الاستفادة من مرونة القوانين, لذلك يتوجب التوسع في دائرة الابداع اي تحويل هؤلاء المرضى الى المصحات بدلا من السجون. * وماذا عن تاجر المخدرات؟! ـ انا دائما انادي بضرورة ضرب تجار المخدرات بقوة وتوسيع دائرة الاعدام حول تجار المخدرات. تجربة ناجحة * الا تخشون ان يتم احتساب ذلك كنوع من التهاون مع متعاطي المخدرات؟ ـ ابدا .. فالفكر الحديث يؤيد بأن الردع لا يأتي عن طريق تطبيق العقوبة مباشرة ومن أول مرة, لكن اذا عاد المدمن لارتكاب نفس الجريمة مرة اخرى فهذا يستحق العقاب. لدينا تجربتنا الخاصة والناجحة ولان اغلب المدمنين الذين ادخلناهم دور رعاية, خرجوا منها مواطنين صالحين واصبحت لديهم اسر ويساهمون في خدمة مجتمعاتهم. كما ان استبدال عقوبة السجن بالايداع في المصحات ساهم الى حد كبير في الحفاظ على اسر هؤلاء المرضى وعلى اطفالهم بالاضافة الى الهدف الاسمى وهو انقاذ مواطن من دخول دائرة المجرمين والمحكوم عليهم والسلبيات التابعة لها. نحن في الامارات نحتاج الى كل فرد فلماذا نتسرع ونفقد احدهم طالما يوجد امل في اعادته كعضو صالح. * الاحصاءات الاخيرة تقول بان اعداد الاحداث الداخلين الى دور الرعاية في تزايد مستمر فكيف يمكن ان نشملهم ضمن مفهوم تضييق دائرة الاتهام؟ ـ قلنا بانه لم يكن يتوجب الاسراف في تعداد حالات حبس الاحداث لان التوسع يأتي بنتيجة معاكسة وهي تكوين شرائح جديدة لديها قابلية للاستمرار في عالم الجريمة, ايضا تطوير الاصلاحيات الخاصة بالاحداث حسب المفاهيم العلمية السليمة, كما يجب الانتباه الى ان النص القانوني عندما يقول (دار رعاية الاحداث) لايعني أبدا باننا نأتي (بأي مكان, ونطلق عليه دار رعاية, انه من مصلحتنا عندما نتحدث عن تضييق دائرة الاتهام ضرورة ان يكون لدينا دور رعاية معدة بشكل علمي وسليم ومن اجل ان نقطع الطريق عند تناقل المعلومات والعادات الاجرامية من الكبار الى الصغار) . * كيف تستطيعون تفعيل نظرية تضييق دوائر الاتهام في ظل وجود نصوص قانونية عامة تمتاز بمرونتها؟! ـ توجد مجموعة من النصوص العامة وهي فضفاضة ويتوجب اعادة النظر فيها وصياغتها من جديد بحيث تكون جامعة مانعة وواضحة حتى لاتستخدم في جر اكبر عدد متاح من الناس الى دوائر الاتهام المتعددة وهذه نقطة هامة يتوجب على المشرع الاخذ بها. رد الاعتبار * لديكم رؤية خاصة حول اهمية تصحيح التشريعات التي تتعلق بالسجين بعد خروجه من السجن حرصا على عدم عودته الى عالم الجريمة مرة اخرى فما هو طرحكم بهذا الخصوص؟! ـ اذا كانت العقوبة على جناية او جنحة فان السجين سيواجه مأساة حال خروجه من السجن بسبب عدم مقدرته على العمل في الدوائر الحكومية او الخاصة لان التشريعات الحالية تحرمه من حق استصدار شهادة حسن سيرة وسلوك لعدة سنوات تتراوح مابين سنتين وخمس سنوات, فهذه الشهادة نسميها قانونيا حق رد الاعتبار وبالتالي فاننا نطالب المشرع بعلاج هذه القضية بأن يفرض وجوب منح شهادة حسن السيرة والسلوك للسجين حال خروجه من السجن حتى لايكون حرمانه سببا في قطع عيشه, او ان يقوم المشرع بسن انظمة لتهيئة هؤلاء المساجين داخل السجون بشكل جاد ويعلمهم مهنا متعددة ثم يفرض على القطاع العام توظيفهم اجباريا لانهم سيخدمون بلدهم مقابل راتب. وهنا نقوم بتظييق دائرة الاتهام من زاوية اخرى وهي عدم ارغام شريحة اخرى من المجتمع على العودة مرة اخرى الى عالم الجريمة بسبب وجود خطأ في التشريع مع السابق. والخلاصة كما يراها فهد السبهان انه من اجل الحفاظ على الاسرة الاماراتية وعلى شبابنا فانه يتوجب تضييق دوائر الاتهام بالاستعانة بعدة خطوات هامة مثل تجاوب النيابة لرغبة المشتكي عندما يريد ايقاف سير الدعوى الجزائية وسحبها قبل دخولها لساحات القضاء. كما لايجوز للنيابة تحويل هذه القضية الى القضاء الا بعد اخذ موافقة المشتكي. وكذلك على النيابة اسقاط القضية تماما في حالات التصالح بين الاطراف المتنازعة. ويتوجب على المشرع ايقاف اضافة افعال جديدة داخل دائرة الاتهام والسعي بشكل جاد الى اعادة النظر في الافعال الحالية وتقليلها. كذلك فهناك خطوة هامة وهي اعادة النظر في النصوص العامة في القانون لانها فضفاضة حتى لا تستخدم في ادخال اكبر عدد من الناس في دائرة الاتهام. حوار : نبيل ميران