لو لم اكن على يقين انني في عصر التكنولوجيا بما ألمسه بين يدي من بعض ادواته كالكاميرا والموبايل والسيارة لقلت انني في زمن آخر. ولو لم اكن متأكدة انني في قلب دبي النابض بالحيوية لداخلني شيء من الشك والريبة في مكاني وزماني وانا ارى امامي ما اراه ضمن جملة نقائض العصر, فكما الجميل يقابله القبيح والغني يناطح الفقير والشؤم يجمله التفاؤل والشر يعلوه الخير والليل يبدده الصبح. نعم.. هناك في زاوية من زوايا فريج الحمرية الكائن على الطريق الرئيسية افترش احدهم الارض واتخذ من السماء غطاء واسعا ليكون بذلك خلفية اثرية (مشوهة) للمباني الشاهقة التي تبرز امامه, ولا يهم في ذلك ان يكون فرجة الآخرين فقد اعتاد الناس هذا المنظر لاكثر من عشرين عاما. وفي وصف ادق للحالة التي يعيشها هذا العجوز والذي يناديه سكان المنطقة بالعم بشير فإن القذارة سمة المكان التي لا تخفى على احد والقمامة تحاصره من كل جانب, فراشه قذر وجسمه اكثر قذارة بل تكاد ترى الحشرات التي اتخذت من جسده الهزيل وشعره مرتعا خصبا للتكاثر والرائحة الكريهة تزكم الانوف والاشمئزاز يصيب كل من يقترب من تلك الزاوية. ولكن ما قصة هذا العجوز.. ولماذا يتواجد في هذا المكان منذ اكثر من عشرين عاما واين اهله وذووه.. ترى ماذا يخفي بين جنباته من اسرار وما طوته السنون في ذاكرته. فهل هو شخص مختل ام فقير محتاج او عابر سبيل ام هو انسان رافض للمدنية والتطور ويفضل ان يعيش سالف عصره او غاضب محتج ويعبر عن غضبه بهذا الاسلوب. اسئلة كثيرة اثارتها هذه الزيارة المفاجئة للعم بشير في التاسعة من صباح احد الايام التي تسير بالنسبة له على وتيرة واحدة, وسيان عنده البارحة واليوم وغدا, حيث كان يغط في سبات عميق غير آبه بالضجيج الذي تصدره السيارات العابرة ولا اشعة الشمس التي تجاوزت المبنى الذي يستظل بظله وبجانبه اتخذ منزلا بديلا. لا يمكن القول انه مجنون فقد رد على التحية بأفضل منها بل ورحب كثيرا بهذه الزيارة وتحدث عن نفسه قائلا: اسمي موسى الديان بشير فيروز كنت اسكن وانا صغير امارة ام القيوين ثم حضرنا الى دبي اذ منحتنا الحكومة منزلا, بعد ذلك تم تثمين ذلك المنزل واعطتني نقودا وبيتا صغيرا يأويني هو الواقع هناك ـ ويشير الى احد البيوت الصغيرة القديمة. اذن لماذا تسكن في الطريق؟ ــ يقول موسى بشير.. لان البيت صغير ويقولون انه قذر وقد اخرجوني منه ورموا امتعتي في الخارج فخرجنا الى الطريق حيث يشفق علي الاهالي ويمدونني بالطعام, والبائع الهندي اضع لديه بعض النقود فيعطيني ما احتاجه من شراب ودخان وغير ذلك. وماذا عن الاستحمام والنظافة: ـ يجيب... عندما يطول شعري وشعر لحيتي كثيرا يأخذني البعض الى الحلاق المجاور الذي يقوم بحلاقة شعري وبالتالي يكف الناس عن مناداتي بأهل الكهف. ومن هم اهل الكهف؟ ــ يسكت ولا يجيب. ! واين بيزاتك (نقودك) الآن؟ ــ ينظر الي بتعجب هل تحمل جنسية الدولة؟ ــ نعم وهل تعرف جواز السفر؟ ـ نعم اين اهلك؟ ـ انا وحيد وزوجتك وأولادك؟ ــ لا أولاد لي ولم اتزوج. اين نحن الآن ــ في ابو هيل في اي عام؟ ــ ماذا تقولين ماذا تريد ياعم بشير؟ ــ سلامتك وتحدث احد سكان المنطقة عن بشير فقال انه يراه في هذا المكان منذ عشرين عاما وقبل ذلك كان يجلس على قارعة الطريق في منطقة حمدان ولديه اقارب يقطنون هناك كانوا فيما مضى يقومون بتحضير الطعام له ثم انقطعوا وذلك طمعا في ثروته التي نالها من تثمين بيته في البلاد, ولديه كذلك ابنة خالة تقيم في الدوحة جاءت الى هنا والتقته والتقطت له بعض الصور ثم ذهبت ولم تعد. واضاف الساكن ان بشير ليس فقيرا وفي الماضي كان يعمل في البحر, مشيرا الى ان البلدية تقوم على فترات بتنظيف بيته الذي اصبح عبارة عن صندوق قمامة حقيقي يصدر انواعا من الحشرات والقوارض الى البيوت المجاورة, لكنه يرفض النظافة وفي كل مرة يقوم باعادة القاذورات الى بيته. واشار الى انه على الرغم من انزعاج الاهالي من قذارته إلا انهم يشفقون عليه ويحملون اليه الماء والطعام. واضاف ان الحالة التي يبدو عليها اليوم جيدة فهو يعتبر نظيفا مقارنة بالوضع الذي يكون عليه باستمرار نتيجة بقائه في الطريق دون استحمام فضلا عما يتعرض له من العوامل الجوية من حر وبرد ورطوبة ومطر, ففي موسم المطر نراه كأي حيوان صغير يختبىء هنا أو هناك ويغطي رأسه بالنايلون. تلك هي حكاية العم بشير الغني المفتقر الثري المبتئس فهل من راق لحاله. كتبت فضيلة المعيني
