الحسم .. الحزم .. الانضباط .. هذه الكلمات ومثيلاتها ربما لا تروق لكثير من شباب هذا الجيل الذي نشأ متظللا بالأقمار الصناعية تبث له برامج من الشرق والغرب حتى اختلط عليه معنى الحرية فاعتقد انها التحرر من عاداته وتقاليده العربية الاسلامية.. شباب ارتعد كلما سمع عن (العسكرية) فخالها سجن للحرية, ولكن في مقابل هؤلاء هناك من الشباب من آمن بأن مثل هذه الكلمات هي المنهج الحقيقي لبناء الرجال ووجدوا غايتهم في المفوضيات الكشفية التي أخذت على عاتقها بناء مواطن صالح يخدم مجتمعه ويبني وطنه.. هؤلاء الشباب صغارا وكبارا تجمعوا في مفوضية الشارقة في دورة الاسعافات الأولية لم يفرق بينهم في الحركة الكشفية سوى رتبة كل منهم. هذا الجمع أفرز نوعا من الشباب صغار السن لم تخطف أبصاره حياة اللعب واللهو وفضل عليها حياة جافة كلها انصياع للأوامر, تعليم وتدريب وتأديب, وافرز نوعا آخر من الشباب الكبار ترك عمله وتفرغ على مدى أسبوعين لتنظيم الدورة وحفل الختام. شباب صلب علمته الحياة الكشفية تخطي الحواجز والعقبات فلم تقف قلة الدعم وضعف الميزانية حائلا أمام تحقيق هدفهم في تنظيم دورة ناجحة, وكذلك هناك أصحاب شركات ومؤسسات آمنوا بقيمة هذا العمل وبواجبهم تجاه هؤلاء الشباب وهذا الوطن فبذلوا لهم العطاء ودعموهم. وقف شباب الكشافة في زيهم العسكري وحركتهم المتزنة المنتظمة يؤكدون في صرامة على حبهم للمفوضية وللحركة الكشفية والالتزام بأوامر قائدهم الذي يكبرهم بقليل ان لم يكن في مثل عمرهم. بداية جديدة في عام 1982 وبعد تشكيل ادارة المفوضية الجديدة كما يقول وسيم وديع قطينة بدأ النشاط يدب في أرجاء المفوضية وينفذه الكشافون المنتمون للمفوضية وبلغ عددهم 450 شبلا وكشافا تم تدريبهم على أيدي قادة من قيادات المفوضية وبأسلوب جديد حيث تم دعوتهم إلى الحدائق العامة والمفوضية والبحر لينخرطوا في المجال الكشفي. ثم توالت الأنشطة الصيفية, وفي هذا الصيف قدمت مفوضية فتيان الصاعقة برنامجا خاصا بالدفاع المدني خاص بالانقاذ والاطفاء والاسعافات وتولت إدارة الدفاع المدني مهمة التدريب, كما نفذت المفوضية في الشهر الماضي البحث عن الكنز عن طريق الشفرة وقام بتنفيذ هذه الفعالية ثلاثة طلائع من طلائع المفوضية وتوصلت احداها للكنز في فترة وجيزة اضافة إلى ذلك نفذت ثلاثة طلائع رحلة خلوية عبر شوارع الشارقة قطعت خلالها مسافة من 8 إلى 11 كيلومترا سيرا على الاقدام, واقامت الخيام على شواطئ البحر لليوم التالي. الانضمام إلى الكشافة الانضباط والتعود على التعامل مع الآخر والتحكم في الأعصاب.. تلك الصفات هي التي جذبت حيدر عبدالأمير - الثاني الثانوي - (مفوضية أبوظبي) للانضمام إلى الحركة الكشفية والتي بدأ يتنبه إلى أهميتها وهو في عامه الأول بالمرحلة الاعدادية, وأهميتها بالنسبة له كما يقول ان هناك مناهج ومهارات اكتسبها بعد انضمامه إلى الكشافة حيث نتعلم القيادة والتدريب على العسكرية وفي هذا تشبه الكشافة إلى حد ما العسكرية من حيث الضبط والربط وهذا شجعني على دخول العسكرية فيما بعد, فقد تعودنا على تحمل الضغوطات اليومية. ولا تعني الكشافة بهذه الصفات الابتعاد عن المجتمع في تلك المخيمات والمعسكرات ولكن هي حياة اجتماعية من نوع آخر فكما يصفها حيدر فهي مفيدة خاصة في رحلاتها الخارجية حيث يتقابل شباب الامارات مع شباب من دول أخرى وتبدأ عملية تعارف على الدول الأخرى وشبابها, أما الرحلات الداخلية فهي أيضاً مفيدة خاصة في تنظيم الدورات. الرحلات الخارجية الاهتمام بالحركة الكشفية ليس خاصا بدولة ما ولكنه اهتمام عربي دولي حيث تنظم دورات تستضيف فيها احدى الدول الأخرى, اشترك في هذه الدورات والرحلات الخارجية عبد الرازق سالم الكعبي ــ الأول الثانوي ــ مفوضية العين, في عام 1996 معسكر في تونس, وآخر في لبنان في 98 ويستمر المعسكر ما بين عشرة أيام و14 يوما, والرحلات الخارجية والداخلية على حد سواء كما يقول عبد الرازق تنمي المهارات الكشفية وتعمق العلاقات وتزيد من دائرة التعارف الى جانب الترفيه .. وفيما يخص الرحلات الخارجية فنحن نستفيد من القادة حيث يختلف كل قائد في خبرته عن الآخر .. وعما يميز الرحلات الخارجية يقول انه لايوجد فروق بين أنواع الأنشطة ولكن بالخارج تقام كل الأنشطة في مكان واحد بينما تتوزع في الداخل على كل الامارات. كما تكثر في المعسكرات الخارجية الرحلات الخلوية, وربما يعود ذلك الى مناخ الامارات الصحراوي, أما في الخارج فنحن نذهب الى الغابات والحدائق المفتوحة الى جانب ان التجهيزات والاستقبال كان أفضل مما يقام هنا. الكثير من الشباب يفضلون قضاء أوقاتهم في الأندية والمراكز الصيفية حيث لاقيود ولا تشديد في الحضور ولكن شباب المعسكر يرون أنهم أوفر حظا من هؤلاء .. يقول سالم ان المركز الصيفي متقيد في الأنشطة لكن الكشافة لديها نشاط هام وهو تبادل الزيارات بين المفوضيات في الدولة كلها, أما المراكز فهي تكتفي بلقاء داخل الامارة نفسها, كما اننا نتدرب داخل الكشافة على الاسعافات وبرامج الدفاع المدني التي تكسبنا خبرات حياتية كمعالجة اصابات الملاعب واطفاء الحرائق. العريف ومهمته عريف أول حمزة سليم الجرادي ثالث اعدادي (مفوضية الفجيرة) اشترك منذ خمس سنوات بالكشافة في سلطنة عمان وبمشاركته الفعالة بمفوضية الفجيرة من اليوم الأول استطاع الحصول على رتبة عريف أول لتصبح مهمته ارشاد الطليعة عن قانون الكشافة ووعد الكشاف والحركة الكشفية, ولكن كيف يتلقى منه رفاقه الأوامر ويطيعونها وهم في مثل سنه ان لم يكن هناك من يكبره .. يقول حمزة .. أنا بالفعل أصغر سنا من بعضهم الا انني أراعي ذلك أثناء عملية الارشاد وأن يكون هناك هدوء في التعامل حتى لا يشعرون بالحرج. الكشافة اكسبت هؤلاء الشباب بعض الصفات التي أصبحوا يتحلون بها ومن الصفات التي اكتسبها حمزة كما يقول التعود على الصبر وكيفية مخالطة الناس, وقوة التحمل على العيش في الخلاء أما المظاهر الاجتماعية التي أرستها قواعد الكشافة هي الصداقات التي تنمو من خلال محاولات القادة تجميعهم في السكن. اعداد القادة رتبة القائد من الرتب التي لا ترتبط بسن معينة ولكنها تحتاج الى عمل وجهد دؤوب الى جانب الدراسة. محمد سالم محمد ــ الثالث الثانوي ــ مفوضية رأس الخيمة يقول ان هناك دراسة ومحاضرات نظري وعملي في كل ما يؤهل للقيادة ثم تقديم بحوث حيث يقدم بحثان أحدهما اجباري ويكون عن التراث والآخر اختياري وقد اخترت عمل بحث حول تشكيل الفرقة. حصل محمد على رتبة القائد بعد نجاح بحثيه ليبدأ عمله بقيادة فرقة مكونة من 32 طالبا من المرحلة الاعدادية وتعليمهم بحياة الكشافة والمشاركة في اعداد برامج هادفة. وعن الدورات التي تقيمها المفوضيات وأهميتها بالنسبة للكشاف يقول محمد ان هذ الدورات والتي تستمر من 3 الى 6 شهور تصقل الطلاب بمهارات جديدة وهامة. محمد قائد حاسم والكشافون يأخذون حديثه على محمل الجد فلا نقاش ومخالفة للأوامر ولكن الى جانب هذا فهو كما يقول يسمح ببعض النقاش, ورتبة القائد أعلى رتبة لكنها درجات آخرها هي حصوله على الشارة الخشبية (القائد الأعلى) . تحمل المسؤولية والمحافظة على الوقت أهم الصفات التي اكتسبها محمد من خلال حياة الكشافة. المعسكرات المدرسية المعسكرات المدرسية هي النواة الرئيسية التي يمكنها ان تؤسس كشافا جيدا .. ومن هذه المعسكرات. اكتسب أكرم محمد شالاتي مفوضية دبي ــ ثاني ثانوي ــ حب الكشافة وارتبط بها من خلال معسكرات المدرسة والمخيمات, ولكنها أصبحت غير كافية لتحقيق طموحة في حياة الكشافة فالتحق بالمفوضية, ووجد فيها حياة كشفية أخرى وأنشطة أكبر, وحبا للعمل والنظام .. أعجبته الرحلات الخلوية وتعلم الربطات والرتب التي حصل عليها زملاؤه ويقول عندما انتقلت الى المفوضية وجدت ان هناك طلابا أصغر مني سنا لكنهم حاصلون على رتب فوضت لهم قيادتنا ولم يمنعن ذلك من التعلم ولم أشعر بالخجل لأن هناك من يصغرني ويلقي عليّ الأوامر فأنا أعلم منذ البداية انه يجب ألا نعترض على أوامر القيادة أو من هو أعلى مني رتبة حتى ولو كان يصغرني .. وكل ذلك جعلني أتحمس في بذل المزيد من الجهد والعطاء حتى استطيع الوصول الى هذه الرتب وأنني أعلم تماما انهم أكثر مني خبرة ولأنني تعلمت النظام وهي أحد الصفات الهامة في حياة الكشافة فأنا لا أسبب أية مشاكل أثناء التدريب بسبب هذه الرتب ولكني أحترم النظام وأحترم حياة الكشافة .. كما أنني أتحمس للدورات التي تنظمها المفوضيات والتي تكسبنا مهارات نتمكن من خلالها تقديم خدمة ربما تكون بسيطة لكنها قد تكون كافية لإنقاذ حياة انسان الى جانب تنمية العلاقات وتكوين صداقات مع كشافين من امارات أخرى. ابن الوز عوام صدقت الأمثال الشعبية التي قالت (هذا الشبل من ذاك الاسد, وابن الوز عوام) فقد سبح احمد مرعي علي, ثانية اعدادي, (مفوضية الشارقة) واخويه في بحر ابيهم الذي عشق حياة الكشافة وبهر ابناءه بزيه.. تعلم احمد من والده واخويه بعض الاشياء عن الحياة الكشفية فقرر الانضمام الى صفوفهم, فقد تربى على النظام والضبط والربط واخلاق العسكرية, احب القادة الذين يدربونه فانصاع الى اوامرهم, ورأى ان الدورات التابعة للصحة او الدفاع المدني هي تدريب عملي تثقله بالمعرفة وحتى لايشل تفكيره مفاجأة وقوع اي حادث فلا يعرف كيف يتعامل معه ورغم ان حياة الكشافة لاتخلو من الدراسة الا انه لايمل منها ولكنه يرى انها استفادة اخرى ومعلومات جديدة يعرفها كل يوم وهذا ما يجعله يؤكد على حبه للكشافة واصراره على الاستمرار فيها. جيل الخشونة وجيل الموبايل من الشباب الصلب الذي اصر على النجاح والنهوض بالمفوضية رغم قلة الدعم وضعف الميزانية محمد غانم (قائد) مفوضية الشارقة والذي انضم الى فريق الكشافة منذ 22 عاما يقول.. الحركة الكشفية في السبعينات كانت حديثة العهد وكان الشباب متحمس وكانت الشارقة اكثر امارة فرخت عددا كبيرا من القادة في أواخر الخمسينات وقد استفدنا من الجيل السابق وتعلمت الحياة الكشفية الخشنة وقوة التحمل واستمرار ارتباطنا بالحركة مع فرق المدارس ثم تحولنا الى الفرق الاهلية في 1985 عندما افتتحت مفوضية الشارقة, ولكن الاقبال على الحركة الكشفية اصبح قليلا رغم كثرة العدد ولكن الحياة نفسها تغيرت فقد تغيرت طبيعة المخيمات وكذلك الشباب ايضا تغير نتيجة لتغير ظروف المعيشة وحالة الرفاهية اثرت على قوة تحملهم للعيش في خيام بالصحراء. تغير ظروف الحياة جعل مهمة القادة شاقة ولكن كيف يستقطب القادة هؤلاء الشباب وماهو الاسلوب الذي يستخدمونه حتى لاينفروا من الحياة الخشنة بعد ان تعودوا الراحة والرفاهية.. يقول محمد نحاول لفت انتباه الشباب الى المعسكرات الكشفية من خلال الدورات والرحلات الاستكشافية والدورات الرياضية وغيرها بحيث نجمعهم ونستخدم الاسلوب الترفيهي الى جانب اسلوب الحسم والحزم حتى يشعر الطالب بحب الكشافة فيبدأ التعامل حسب البرنامج. الترفيه والتثقيف والتدريب والعمل الى جانب فنون ومهارات يتم تعليمها للطلاب من خلال ابرازها في عمل القادة حيث يقتدي بهم الطلاب, وحول الصعاب التي تواجه حياة الكشافة والحركة الكشفية يقول محمد ان قلة الدعم المالي والميزانية من اكثر ما واجهنا من صعاب خاصة في اقامة الدورة ولكننا اتجهنا الى التسويق ونجحنا.. فقد حصلنا من دعم 9 شركات خاصة وحكومة, ربما تكون مساهمات بسيطة الا انها شكلت فرق كبير في الميزانية, لاننا لو كنا امتثلنا لحالة الركود لما استطعنا تنظيم الدورة وكذلك لو انتظرنا الدعم المالي فلن نعمل. برامج استقطاب وضعت جمعية كشافة الامارات برنامجا اشتمل على عدة دورات تم تقسيمها على الامارات ولكل مفوضية نشاط معين, كان نصيب مفوضية الشارقة اقامة دورة للاسعافات الاولية والتي نجحت بجهود الشباب الذين قاموا على تدعيمها بجهودهم.. علي عبدالمحسن النجار (قائد) مفوضية الشارقة والذي انضم الى الكشافة منذ 22 عاما يقول ان الكشاف هو عضو فعال في خدمة المجتمع وعليه ان يكون مؤهلا ليكون في مقدوره خدمة الناس في جميع الظروف والاحوال وقد كانت الدورات السابقة تتميز بالضبط حيث كنا نشبه في تدريباتنا الصاعقة وكان هناك حزم كالعسكرية وكان في قناعتنا ان القائد اكثر علما فلم نجرؤ على الاعتراض اما الآن فلدينا جيل معارض.. هناك حرية رأي ولكن دون تخطي الحدود, ولاننا نعمل مع جيل تعود على الراحة فنحن نراعي ذلك في اسلوبنا معه حتى لايهرب ولان هؤلاء الاشبال يحبون اللعب فنحن نهتم بالترفيه والتدرج في الانشطة الاخرى. وعن دورهم في تنظيم الدورة الى جانب مخاطبة الشركات والمؤسسات لطلب الدعم المالي يقول علي.. تم تحديد احتياجات الدورة وتشكيل اللجان التي نترك لها مهمة تنفيذ الخطة وتصبح مهمتنا نحن الاشراف. عرض ناجح في حفل افتتاح الدورة اعجب جميع الحضور بطريقة عرض برنامج الدورة والذي اعده كل من محمود غانم وعبدالعزيز شهيل اللذين كلفا بالتغطية الاعلامية ويقول محمود غانم عن العرض الذي كان اشبه بفيلم تسجيلي عن معركة حربية ــ ان البرنامج خاص بالكشافة وهي اشبه بالعسكرية لذلك كان لابد من عنصر الاثارة في العرض الذي اخذ منا اربعة ايام وقد حازت على اعجاب الجميع. ومحمود غانم الذي حصل منذ سنتين على رتبة عريف اول ثم قائد على مستوى الفرقة يأمل في الحصول على شارة دولية لذلك فهو يبذل قصارى جهده لانه لايحصل على هذه الشارة الا من يستحقها. لم يقف عمل الكشافة في مساعدة الآخرين عند حدود معينة ولكن من الاعمال التي اهتمت بها هي مساعدة العجائز بالحج والتفتيش على الحملات والتي كان احد اعضائها ابراهيم ابو عفرة (قائد) مفوضية الشارقة ــ والتي اوكلت له مهمة الخدمات والتغذية في دورة الاسعافات, يقول منذ بدأت في الكشافة من 20 عاما وحتى الآن لم يتغير شيء الا بعض التطورات من ناحية التدريب والدورات, ولكن هناك اختلاف كبير بين طبيعة الاعضاء قديما والآن ولذلك كان علينا ان نمسك العصا من الوسط حيث الحزم والحسم وبعض الترفيه والرحلات الى الحدائق. وابراهيم يجيد اعمال خفة اليد وهذا النوع من الترفيه يحاول به جذب هؤلاء الشباب وكسر حالة الملل اذا ما شعروا بها. تحقيق : نادية هارون