الوحدة الاولى كان التركيز فيها على الاختصارات واذا عرفنا بأن الاختصار في اللغة العربية لمن ليس له دراية بهذا الفن يعد من اصعب المهارات اللغوية والكتابية , وهذا يعود الى ان الاسهاب في الكتابة من اسهل الفنون لانه لا يطلب منك التركيز على فكرة معينة بقدر الاسترسال في الشرح المطول لمجموعة كبيرة من الافكار المتداخلة, بحيث يصعب على المرء المتابعة المباشرة لهذا السيل المتدفق من الكلمات والاسطر المتتالية. فكتابة صفحة واحدة على هذا المنوال اثناء الاختصار اصعب من كتابة عشر صفحات بدون توقف, لان فرص اختيار المناسب من العبارات والجمل ضئيلة لاداء المعاني الجليلة وفي اقصر عبارة ممكنة. ولو عدنا الى اللغة الانجليزية فنجد بأن الامر اصعب بكثير مما نتصور, لاننا لم نمارس هذا الفن طوال فترة دراستنا للغة الانجليزية, ابتداء من المرحلة الاعدادية وانتهاء بالمرحلة الجامعية, ثم تأتي فجأة في مرحلة الدراسات العليا فإذا الاختصار من العناصر الهامة في دراسة مهارة اللغة الانجليزية ومن اهم عوامل النجاح في المراحل المقبلة اثناء كتابة اطروحة الدكتوراه او الماجستير, علماً بأن الأجانب احب الى طبعهم الاختصار عكس العرب المولعين بالمطولات. ويدخل هذا الاختصار كذلك اثناء القاء المحاضرات التخصصية والتي تلقى للمهتمين بموضوع بحوث الطلبة اثناء فترة الدراسة, ففي بريطانيا مثلاً يمنح الطالب ثلث ساعة او عشرين دقيقة لالقاء بحثه, ثم يعطى الحضور عشر دقائق لمناقشة المحاضر واي اطالة من قبل الطرفين يعد من وجهة نظرهم منقصة علمية وعدم احترام القوانين الجامعية في هذا الصدد. ومما اذكره هنا وضع احد الطلبة عندما تجاوز العشرين دقيقة المسموح له بالالقاء فيها, بعث المشرف على المحاضرة اشارة مبطنة للمحاضر تنبهه بأن الوقت قد انتهى وكفى, الا ان صاحبنا قد تمادى كثيراً في الاطالة حتى اضطر المشرف المعني للتدخل عنوة لايقافه, وكان موقفاً لا يحسد عليه ذلك الطالب امام جمهور يضم نخبة من عمداء الكليات والمدراء ورؤساء الاقسام مروراً بطلاب وطالبات الدراسات العليا ومعهم الموظفون المعنيون بالشأن الاكاديمي العام. ولا يمنع ان نقول بأن هذا النمط من الاختصار في الكلام والكتابة يخضع للدرجات التقييمية لاداء الطالب طوال سنوات دراسته, ويخبر الطالب عن طريقة مشرفه الاكاديمي بترتيبه مقارنة بالطلبة الآخرين من اقرانه بعد نهاية كل سنة دراسية. لذا عندما نركز على عنصر المهارة فإن القوم جادون للغاية ولا يلعبون في هذا الملعب العلمي الذي يتصف بالقدسية حتى تكون المخرجات وفق الانظمة المعمولة في اروقة جامعاتها التي تفوح بالرقي في العطاء الاكاديمي. تخيل بين يديك عبارة باللغة الانجليزية تتكون من 26 كلمة ويطلب من الطالب في وحدة فن الاختصار ان يقوم باختصارها الى ست كلمات فقط من دون زيارة او نقصان. لقد مررنا بهذا الاختبار الصعب من الناحية العملية ولن يتمكن طالب واحد من الحصول على المطلوب, فأقصى ما كنا نصل اليه هو اعادة كتابة العبارة في ثلاث عشرة كلمة وكان بالنسبة لنا قمة الانجاز, نعم مع المران يمكن ان يصل الطالب الى حد قريب من المطلوب الا ان الامر كان صعباً للغاية. وقد يكون هذا العمل للبعض من اول وهلة صدمة لغوية يقرر فيه الطالب انسحابه الفوري من دورة في اللغة بهذا المستوى الرفيع من ناحية المحتوى وقوته, ولكن مع ذلك وبكثير من الجهد والتركيز والمشقة يمكن لطالب العلم الفعلي ان يخترق جدران هذا الفن المعني بالاختصار كما يخترق السهم المنطلق الغرض او الهدف وبكل دقة.