هل جربت الجلوس في قسم الطوارىء ببعض مستشفياتنا ولو لمرة واحدة في العمر؟ وهل فكرت بعد ذلك ان تسجل مشاهداتك فقط ليوم كامل ومتواصل وممتد لأكثر من ست ساعات من أجل علاج وقتي يفترض ان ينتهي بانتهاء ذلك اليوم ولايستمر بعده بأيام اخر؟, لانه اذا استمر فلن تجد متسعا من الوقت لإتمام اجراءات العلاج إلا بالتفرغ التام لشهور أخرى معظمنا يأبى الاستمرار ويؤثر الانقطاع ولو على حساب صحته. من دأب المريض, بل ومن حقه الطبيعي ان يلقى الرعاية التامة وبدون أي تقصير غير مبرر لأنه في قسم الطوارىء, ففي الأقسام الأخرى قد نجد بعض العذر أما ونحن اليوم في قسم الطوارىء فلا أعرف من أين استقى العذر لمن ألقي على السرير وهو يصرخ وبشكل متواصل من شدة الألم سواء بسبب الحادث الذي تعرض له وكسرت ساقاه أو غيره من الأسباب ولكن تركه مع صراخه أمر في غاية الخطورة على صحة هذا المحتاج الى العلاج الطارىء وإلا لم تطأ قدماه هذا المكان ليواجه سوء حظه. كنا نعتقد زورا وبهتانا بأن الطبيب ومعاونيه يملكون قدراً كبيراً من أدوات الرحمة والشفقة ولو كان ذلك لما خرجت أفكار جديدة تصف القتل بالرحمة, أي عندما يقتل الطبيب مريضه رحمة به من الآلام التي يريد التخلص منها ولو بالقتل. وبما ان مجتمعنا مازال متمسكا بأهداب المحافظة على القيم على وجه العموم إلا ان الضعف قد تطرق الى بعضها ومنها هذه الرحمة المطلوبة في مثل هذا الوضع حتى لو انعدمت في غيرها من المواقف التي ليس للطبيب ومن معه مكان من الإعراب. يحمل أحدنا المريض بين يديه وهو يتلوى من شدة الألم والمعاناة وتمر في طريقك بكل الموظفين في المستشفى فلا تجد واحدا ــ وليس في هذا الأمر مبالغة ــ يسألك ماذا تريد أو ماذا أحل بمن يتوجع كالسمكة التي أخرجت من الماء. لا أعرف السبب الذي جعل ملائكة الرحمة تهرب من هذا المكان بالذات وحل محلها ملائكة العذاب وذلك قبل يوم الحساب إمعانا في تعذيب بني الانسان في أشد أوقات حاجته الى نسمات الرحمة ولكن ماذا نقول في أقوام قد انتزعت الرحمة من جذر قلوبهم. اذا قسى عليك الطبيب المعالج ومن قام مقامه في تدبير شؤون المريض فلا تلوم بقية الموظفين في هذا القطاع اذا لم يبالوا بمن دخل أو خرج. تعرفون هذا النوع من المعاملة القاسية غالبا ما تكون من نصيب ابن الوطن لأنه لايجد من بين الكم الهائل من الجنسيات التي تعج وتمرح في هذا القطاع الحيوي له نصيرا لا أقول في العلاج بل في السؤال عن الحال ان كان يستدعي علاجا أم لا. يقول محدثي بعد انتظار دام يوما كاملا دخل الى هذا المستشفى وفي هذا القسم عشرات الجنسيات التي استقبلهم أقرانهم من نفس الجنس بكل حفاوة وترحاب وبلغاتهم الأصلية وليس بالانجليزية كما هو مطلوب منا التحدث معهم, اذا اعتلانا المرض فجأة فلا نملك من المصطلحات الطبية ما نوصل بها المعلومة الصحيحة للحالة المرضية التي نعاني منها, ولانعتقد بأن المطلوب منا أن نكون أطباء وخريجي كليات الطب والصيدلة حتى نتمكن من العلاج بالشكل الصحيح وإلا اختلط حابل الطب بنابل الصيدلة والتمريض. جلس أحدهم على أحد الكراسي لدقائق قليلة جداً فهرولت احدى الممرضات من جنسه تجاهه قائلة لم تضيع وقتك هنا, هيا أسرع الى العلاج وبجانبه ابن الامارات وقد طال عليه الأمد وقست قلوبهم ولم يسأل مع طول ذلك الزمن لم تجلس هنا؟!