اذا كانت التركيبة السكانية للدولة على ما يرام كما يظن البعض, ما الداعي اذن لرفع الصوت بالمطالبة الملحة في استجمال التوطين قبل ان تأتي العمالة المتواجدة على الأخضر واليابس . فصوت العقل والمنطق والعلم الصحيح مع دوران العجلة الاقتصادية لصالح العنصر المواطن كشريك فاعل وليس متفرجاً يسحب البساط من تحت قدميه من اجل دراهم بخسة لم يسع هو على استثمارها. هذا الاجراء الهام خطوة عملية لإحلال المواطنين في كافة القطاعات وفق استراتيجية مدروسة مكان الوافدين بالتدريج, ولايخص هذا الامارات وحدها, بل ان خطط السعودة والتعمين والتكويت ليست ببعيدة عن ايدينا, ففي كل دولة تنشر التقارير الخاصة بهذا الهاجس الخليجي وفي كل دولة خليجية يضع الوطنيون ايديهم على قلوبهم خوفا من مصير غير مرغوب فيه اذا لم يتحرك المخلصون الحريصون على مصلحة الوطن والمواطن لعمل اللازم والواجب لوقف هذا النزيف السكاني بعيدا عن الصالح العام لدولنا الخليجية. وقبل أيام صرح وزير التخطيط الكويتي لوكالة انباء الامارات بأن بلاده ربما تتبع استراتيجية جديدة في شأن توطين العمالة, بحيث يكون المقصود بالاحلال الفئات وليس الأعداد, مؤكداً ان الكويت ستبقى لفترات طويلة بحاجة الى قوة العمل الوافدة, وخاصة الفنية منها. وجعلت الكويت وفق هذه الخطة نسبة مستهدفة للتوطين حاليا بـ 10 في المائة للإحلال في الوظائف الحكومية, مع التركيز على زيادة قوة العمل المواطنة, مقدرا أنه خلال خمس سنوات يمكن ان نرفع هذه النسبة بشكل فعال, خاصة مع زيادة اعداد الاناث ومساهمتهن في قوة العمل في الفترة الأخيرة. أما ما يتعلق بالقطاع الخاص, فإن الوضع أكثر تعقيدا, لأن العامل الاقتصادي عامل حاسم, وتكلفة العمالة منسوبة الى قدرتها على الاداء والانتاج مهمة جدا. فالاستراتيجية المتبعة هنا هي (التركيز على القيمة المضافة) أي بمعنى انه لابأس من الاستعانة بالعمالة الوافدة شريطة ان يكون اداؤها عاليا واسهامها في الاقتصاد الوطني كبيرا وجيدا, وينبغي عدم التصور يوما ان حجم قوة العمل في دول المجلس مجتمعة يمكن ان يحل أو يوجه لعمالة هامشية, ولذلك يتم الحديث عن القيمة المضافة, سواء للوافد أم للمواطن, لأن التطورات التي يشهدها الاقتصاد الاقليمي والعالمي ستبقي المنطقة في حاجة الى أنواع من القوى العاملة الوافدة ولكن ليس بالاعداد والنوعيات الموجودة, وينطبق هذا الوضع على دولة الامارات, حيث انها سخرت اللجان الخاصة بوضع الاستراتيجية التي تساعد في التوطين للحاق بركب النوع والاعتماد على الكيف واستبعاد عنصر الكم الذي يطغى الان على سوق العمالة بشكل عام. وعندما يتم طرح موضوع الخلل في التركيبة السكانية في الدولة يجب عدم الغفلة عن عنصر العمالة المضخمة وبأعداد هائلة من النوع الذي يطلق عليه في المثل (أكل ومرعى وقلة صنعة) . فالتكاليف التي تتحملها الدولة لخدمة هؤلاء من جميع النواحي الانسانية عالية جداً, اذا قارنا هذا الوضع بالمرتبات الزهيدة التي يتمسك بها القطاع الخاص على وجه الخصوص, لأن التركيز لهذا الكم فيه ظاهر لكل عينين بصيرتين بعيدتين عن مرض العشى الليلي عند البعض والعشى النهاري لدى البعض الآخر, نحن في وضع لانحسد عليه لحاجتنا الشديدة الى كل فكرة تبعد عنا كابوس هذا الخلل ويكفينا التخدير الموضعي الذي يراد لنا ان نعيش فيه على الدوام.