التركيبة السكانية والخلل فيها اخذت في الآونة الاخيرة حيزا كبيرا من الاهتمام الرسمي وغير الرسمي ابتداء من اروقة المجلس الوطني الاتحادي وتشكيل اللجنة الخاصة بمتابعة الموضوع وانتهاء بكل الاقلام الوطنية التي تفتخر صحفنا المحلية بحضورها على الساحة الاعلامية في مجتمع الامارات. ومع ذلك نجد في نفس بعض الكتاب نبرة التهوين من هذا الخلل الذي وضع على رأس اللجنة العليا لعلاجه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لاهمية الامر واولويته مقارنة بالمواضيع الاخرى. من حسن المصادفة ان يقع بين يدي في هذا الاسبوع على وجه الخصوص ثلاثة مواضيع هامة تدق ناقوس الخطر من تفاقم هذا الخلل الواضح مع دخولنا القرن الجديد. وخلال الاسابيع الماضية لم يمر يوم واحد الا واحاديث الناس في منتدياتهم الخاصة والعامة لا تعرف سوى هم الخلل المريع في التركيبة السكانية التي يخشى علينا من خلالها ان نغرق في دوامتها واثارها السلبية بلا منازع. في ظل هذه الظروف السكانية الحرجة نعتبر كل تهوين لهذه المشكلة من قبل بعض الكتاب خللا اخر يضاف إلى ما نحن بصدد مقاومته حتى نضمن عدم انقراضنا في القرن المقبل, وتتحدث الارقام التقديرية لذلك الزمن بأن المواطنين ستصل نسبتهم إلى قرابة 2.5% من اجمالي السكان وهذا ما لا نرجو ولا نتمناه ونبذل الغالي والرخيص حتى نبقى بدل أن نذوب تريجيا ولا يشعر بنا احد وكأننا لم نولد على ظهر هذه الارض يوما. اعود إلى المواضيع الثلاثة التي مررت عليها بامعان نظر ودقة ملاحظة لان مرور الكرام هنا لا يجدينا فتيلا, الاول جاء من خلال التقرير الاقتصادي لبنك دبي الوطني والذي يركز ويؤكد على ان احدى اهم القضايا التي كانت ومازالت تواجه المسيرة التنموية في دولة الامارات العربية المتحدة هي (الخلل السكاني) وضع ما شئت من الخطوط تحت كلمتي (الخلل السكاني) . واشار هذا التقرير إلى أن مواجهة التحديات المقبلة لمرحلة العولمة وبروز الاطار الجديد للتنمية المستدامة يوضحان اهمية هذه القضية للدولة في القرن المقبل, ويمكن ان نسمي هذا الخلل بالنسبة لنا بعلة القرن وليست العلة التي اشتهرت بمشكلة الاصفار, نريد ان نتجاوز مرحلة الصفر التي نحن مقبلون عليها اذا ما لم نستدرك أوضاعنا السكانية المخلة من هذه الساعة وليس لدينا اي مسوغ مشروع للانتظار اكثر من عقدين, وهي فترة استمرار المشكلة وخوفنا شديد من ان نتحول إلى الصفر ولكن من جهة الشمال. لقد كان التغيير الهيكلي لسكان الامارات مرتبطا بشكل لصيق بنموها الاقتصادي, ذلك لان معدلات اسرع للنمو كانت تعني طلبا اكبر على العمالة الوافدة, الامر الذي ادى إلى خلل سكاني بين المواطنين, لذا فإن اي حل مقترح لهذا الخلل يجب ان يتضمن استراتيجية للنمو الاقتصادي مرتبطة باستراتيجيات لتحريك وتنمية السكان المواطنين. على الرغم من انه يصعب الحصول على علاقة ارتباط عالية بين النمو الاقتصادي ونمو السكان في الادبيات الاقتصادية, الا ان هذه هي الحالة المميزة للعديد من الاقتصادات محدودة العمالة في الخليج العربي, ذلك بان عدد سكان الامارات نما خلال الانتعاش النفطي الاول (1975 ـ 1985) بمتوسط يصل إلى 12.5% سنويا, وقد نما الجزء غير المواطن من السكان بمعدلات عالية جدا بلغت 15 في المائة سنويا خلال الفترة نفسها وهنا كما يقال بيت القصيد أو مربط الفرس.