تلفزيوناتنا المحلية الارضية منها والفضائية عن أي لغة تعبّـر؟ وعن أي لسان تنطلق الى الآخرين؟ أعني بم نصم لغة ألسنة مقدمي البرامج المختلفة, فمن يريد ان يدقق في المصطلحات التي تستخدم خلال البرامج كلها, فبأي خيط يتمسك .. باللهجة المحلية لابن الامارات أم بلهجة جنسية المذيع أو المذيعة كل حسب دولته بالمصرية أم باللبنانية أم خلطة وتشكيلة غير منسقة من اللهجات كلها والخاسر بينها بطبيعة الحال اللغة العربية الفصحى في أبسط استعمالاتها. لا نجد بين مقدمي البرامج خيطا مشتركا أو أرضية مشتركة يقف عليها الجميع صفا واحدا لابراز النكهة الخاصة بتلفزيونات أو محطات دولة الامارات, علما بأن اللغة الانجليزية لدى بعض المذيعين أسرع الى ألسنتهم من كل اللهجات العربية, مع وجود محطات وبرامج خاصة تخدم الجاليات الاجنبية, سواء على طول فترة البث أو من خلال فترات متقطعة لأداء غرض ما وايصال رسالة معينة الى بعض الجاليات الحيوية في المجتمع. لا أعرف ان كان هذا الحال من الفوضى اللغوية هو السياسة المعتمدة والثابتة لدى المسؤولين عن هذه القنوات, أم ان الموضوع متروك لاجتهاد كل مذيع على حدة كنوع من اعطاء الحرية في استخدام ما يتناسب مع ذوقه الخاص اثناء وقوفه بين يدي المستمعين والمشاهدين!! ان كان هذا الوضع صحيحا بلا تردد, فإن أمامنا محطات اخرى عربية واجنبية, المتابع لها يشعر بأنه اذا فتح على القناة العمانية مثلا فلا يمكن ان يغيب عنك نكهة أهل عمان ابتداء من الزي الرسمي لبلدهم وصولا الى الدراما العمانية التي بدأت تفرض نفسها على الساحة الاعلامية. اذا كان يمكننا اعتبار هذا الأمر الحاصل مأزقا من مآزق إعلامنا المحلي, فلا يضيرنا شيء اذا اعتمدنا مبدأ استخدام اللغة العربية المبسطة, كقاعدة ينطلق من خلالها كل العاملين في هذه القنوات مع اعطاء نوع من المرونة في استعمال أهل المنطقة للهجة المحلية, وهي ليست بعيدة عن العربية الفصحى في كثير من أوجهها المعروفة لدى المتخصصين في علم وتاريخ اللغة العربية التي تتطور مع تطور الازمنة والامكنة, فيشيع من خلال هذا التيار مصطلح ما ويغيب عن الساحة مصطلح آخر, وهو أمر جد طبيعي في سنن التغيير للمجتمعات البشرية قاطبة. ونعاود التأكيد على ان هوية اللغة لابد ان تكون واضحة لدى الآخر الذي لم يزرنا إلا من خلال زر التلفاز سواء كان من الداخل أو يعيش في أقصى المعمورة, فأي تلفزيون في دولة الامارات عليه ابراز الدولة بلغتها العربية الرسمية أمام كل الناس, ولا يعقل ان تتغلب لغات ولهجات الجاليات الأخرى على مسامعنا, وتغيب عنا وتتساقط جذور نشأتنا المحلية الخاصة بهذه الصورة الإعلامية الصارخة, وكأنها تتحدى سكان البلد الأصليين وتدعوهم الى ترك ألسنتهم الخاصة جانبا لتختلط بكل ما هو متوفر في هذا المعرض اللغوي اليومي, فيتخرج أبناؤنا وهم في شتات الضياع ولا يملكون بين أيديهم وألسنتهم لهجة محلية ولا لغة فصحى مفهومة غير منثورات من الكلمات, كلمة من هنا وأخرى من هناك. د. عبدالله العوضي