العشرات بل دعنا نقول المئات من المواطنين برأس الخيمة واسرهم يعيشون حياة مرهقة ومزعجة لا شىء فيها سوى ضيق المعيشة.. هموم الديون.. ملاحقة البنوك.. تحقيقات الشرطة.. مسألة النيابة العامة .. الخوف من الفضيحة.. البكاء بحرقة في السر والعلن.. ولولا مخافة الله لتخلص البعض منها. كيف حدث كل ذلك؟ ولماذا تعاني شريحة كبيرة في مجتمعنا كل هذه المعاناة؟ وهل من منقذ لهم؟ اصابع الاتهام لما حدث موجهة بالدرجة الاولى لشركات توظيف الأموال التي راجت في فترة سابقة ثم ما لبثت ان اختفت بعد ان لعقت مدخرات العديد من المواطنين والمقيمين وتركتهم يتأبطون الفقر والهموم والندم. صحيح ان الناس هم الذين توجهوا طواعية راكبين وراجلين الى حيث مقر الشركات التي سلموها كامل تحويشة العمر بل زادوا عليها ببيع ممتلكاتهم او بقروض من البنوك وذلك طمعا في الحصول على المزيد من العائدات الربحية بيد انه على العكس من ذلك جاءت النتائج تحمل ضياع الأموال والارباح ليعود المستثمرون الى نقطة البداية في مسيرة حياتهم وهم مثقلون بالديون والهموم. كان المواطن طالب بن شيبان هو أول من قرع بعنف جرس الانذار ليعلن عن الظروف الكئيبة التي يرزح تحتها ضحايا شركات توظيف الاموال حيث شرح شيبان انه يسبح في بحر من الديون بلغت 8 ملايين درهم وهو غير قادر على سدادها رغم انه اضطر الى بيع ممتلكاته وارقام سيارته بل فكر ذات مرة في التخلص من حياته. ويقول كنت أحد ضحايا شركات توظيف الاموال التي لجأت اليها بقصد الاستثمار وتحسين اوضاعي المالية وهو طموح مشروع لكل انسان طالما توفرت الرغبة والامكانيات لتحقيق ذلك بيد ان الشركات كانت غير صادقة معنا فابتلعت اموالنا ومن ثم تركتنا نعيش الكفاف ونصارع الفقر, وليت الأمر وقف عند ذلك الحد بل تعداه إلى تدميرنا نفسيا وصحيا ومهنيا. ويستطرد قائلا: ان الأمر الذي يؤسف له حقا إهمال المجتمع لنا لنواجه بمفردنا المآسي والأحزان حيث لا أمل في الخلاص الا بتدخل الخيرين لمساعدة المتضررين من مشاكل شركات توظيف الأموال خاصة ان في الدولة العديد من الجمعيات التي تعمل لرفع المعاناة عن الشعوب المتضررة. خبر الافلاس سعيد سعد محمد المهيري هو أيضا من متضرري شركات توظيف الأموال يقول انه سمع من أحد الأشخاص ان شركة (بان آسيا) ومقرها الشارقة تقدم أرباحا ضخمة فما كان منه إلا أن حمل مبلغ 110 آلاف درهم وأودعها لدى الشركة ومن ثم عاد إلى مسكنه برأس الخيمة لينتظر الأرباح بعد أن حصل على وعد بأن تأخذ طريقها إلى رقم حسابه المصرفي مباشرة مع مرور أول شهر على ايداعها. ويمضي المهيري قائلا: كانت البداية جيدة حيث كان حسابي يغذى بانتظام خلال الفترة الأولى بمبلغ خمسة آلاف درهم شهريا كأرباح مكتسبة من المال المستثمر بالشركة وقد زاد ذلك من رغبتي في الاستثمار بشركة أخرى تمارس نشاطها في أبوظبي عرفت من وسيط لها انها تدفع أرباحا مضاعفة وبالفعل وضعت فيها مبلغ 222 ألف درهم وكما وعدني الوسيط فقد حصلت على أرباح شهرية تبلغ 20 ألف درهم غير ان كل تلك الأرباح لم تستمر لأكثر من ثلاثة أشهر فقط حيث نما إلى علمنا خبر وقوع الشركات في الافلاس. ويوضح المهيري ان كل المبالغ التي سعى إلى استثمارها في شركات توظيف الأموال كانت عبارة عن ديون مصرفية ومبالغ من عمليات بيع لأسهم بأقل من سعرها وبيع منزلين وسيارات واستلاف مبالغ من بعض الأشخاص. ويقول انه بسبب الخسائر الفادحة التي أوقعتني فيها شركات توظيف الأموال عادت مسيرة حياتي إلى الصفر إذ انني الآن أواجه ظروفا معيشية بالغة الصعوبة ترزح تحتها أسرتي بأفرادها العشرة سببها ان معاشي يذهب بكامله لتغطية الديون ورغم ذلك تجدني ملاحقا بلا انقطاع من بعض الدائنين. صورة مأساوية أخرى نقرأها بوضوح على وجه رجل طاعن في السن يدعى يوسف علي محمد صالح (80 سنة) ويسكن منطقة الشريشة ونسمعها في حديثه المشحون بالحسرة والندم حيث يقول: أعمل حارساً وأتقاضى 2000 درهم كراتب شهري وهذا المبلغ لا يغطي مصروفاتي الأسرية علما بأن أسرتي مكونة من ستة أفراد وأمهم. شهران فقط ويمضي قائلا: حينما سمعت بالشركات التي توظف الأموال والمبالغ التي تدفعها كأرباح للمستثمرين تلفت يمنة ويسرة فلم أجد سوى ان أبيع البيت الذي أسكنه وكذلك بيت آخر تؤول ملكيته لزوجتي ومن ثم قمت بتسليم قيمة البيتين وهي 110 آلاف درهم لوسيط شركة تعمل في أبوظبي وقد وعدني بأن تكون أرباحي ثمانية آلاف درهم شهريا وبالفعل فقد قاموا بصرف أرباح لي عن فترة شهرين فقط ثم توقفوا عن فعل الشيء ذاته بعد ذلك نهائيا. وعندما اتصلت بالوسيط مستفسرا عن سبب ذلك لم أجد عنده الاجابة المقنعة بل كان دائم التهرب وغير راغب في الحديث معي. ويضيف: لقد انعكس كل ذلك على حياتي الأسرية التي هي في مأزق لا أحسد عليه فأنا الآن أعيش في بيت مستأجر بمبلغ 600 درهم شهريا. وبما ان راتبي لم يعد كافيا لسد احتياجاتي الأسرية الضرورية فقد اضطررت لدخول السوق رغم كبر سني لأبيع وأشتري في كل شيء أملا في تعويض العجز الذي لحق بميزانية أسرتي. ويقول : أقف الآن عاجزا عن مواجهة كثير من الالتزامات الأسرية وقد سعيت للاستلاف من البنوك غير ان طلبي قوبل بالرفض نظرا لكبر سني وعدم توفر أملاك عقارية يمكن الاعتماد عليها كضامن لي أمام المصارف. ويؤكد صالح بأنه لم يفقد الأمل في استرجاع حقوقه المالية من شركات توظيف الأموال لكنه يطالب بتشكيل لجنة لتنظر في الظروف المعيشية المأساوية التي يعاني منها المواطنون الخاسرون في الشركات. ع. أ. ع. قال انه فقد 150 ألف درهم في شركة بان آسيا ونتيجة لذلك فهو يعاني ضائقة مالية أثرت سلبا على حياته الأسرية حيث لم يعد يستطيع الوفاء بكل احتياجات أسرته. وأضاف: ان الخسائر المادية الباهظة التي أصابت العديد من المواطنين والمقيمين أحدثت نوعا من الاضطراب غير المحمود في السوق وبدا ذلك واضحا في توقف الحركة التجارية وعدم قدرة الناس على سداد التزاماتهم المالية تجاه الآخرين سواء من الأشخاص أو المرافق وزيادة الشيكات بدون رصيد بل لعل الأخطر من ذلك كله هو اهتزاز الثقة بين المتعاملين في السوق التجارية. خلف القضبان كان من الواجب زيارة الرائد احمد سالم السلومي نائب مدير ادارة المنشآت الاصلاحية والعقابية برأس الخيمة لمعرفة حجم الاضرار التي لحقت بافراد المجتمع من جراء المشكلات الناجمة عن النشاط السلبي لشركات توظيف الاموال. الرائد السلومي كعادته كان متجاوبا ومتعاونا معنا حيث ذكر ان من الصعوبة تحديد اشخاص من نزلاء المنشآت الاصلاحية والعقابية كمتضررين بشكل مباشر من شركات توظيف الاموال خاصة ان الجهات المختصة تنتهج اسلوبا مرنا مع مثل هذه القضايا رغبة في معالجة تصالحية غير ان ذلك لا يمنع من حدوث اضرار بطرق غير مباشرة كأن يعجز شخص عن سداد التزامات مالية لجهات اخرى بسبب ضياع امواله في شركات توظيف الاموال. ويوضح الرائد السلومي ان نزلاء المنشآت في الوقت الراهن بسبب مشكلات مالية يصل عددهم الى 47 شخصاً بينهم 14 مواطنا وتبلغ جملة المبالغ المطلوبة من النزلاء جميعا 5 ملايين و760 الف درهم. ونبه الرائد السلومي الى خطورة وجود كل ذلك العدد من اولياء الامور رهن الاقامة في ساحة المنشآت الاصلاحية والعقابية لسنوات عديدة اذ ان من شأن ذلك ان يؤدي في النهاية الى زعزعة وتفكك الاسر مما يعرض الأبناء الى الانحراف والضلوع في الجرائم. ويقول من الضروري اظهار الجدية والسعي الحثيث لحل مشكلات الديون المالية التي قادت الآباء بعيدا عن اسرهم وذلك من خلال المبادرات الفردية أو الجماعية او عبر الجمعيات الخيرية المنتشرة في شتى المواقع بالدولة. الكارثة والضحايا الازمة المالية التي تثقل كاهل شريحة كبيرة من الاسر المواطنة تحتل حيزا كبيرا من اهتمامات الاقتصاديين وفي مقدمتهم نجيب عبدالله الشامسي نائب رئيس جمعية التجاريين والاقتصاديين الذي يرى أن الأزمة لها ارتباط وثيق بما حدث في جنوب شرق آسيا وحول تلك الدول من نمور صفراء الى دول تصنف بالضعف وايضا للازمة المالية صلة كبيرة بما حدث في الساحة الخليجية سواء أكانت ازمات عسكرية ام اقتصادية تتمثل في شكل عجز مالي اعلن صراحة من قبل الدول الخليجية نفسها. ومضى قائلا: ان الازمات المالية الناجمة عن تدهور اسعار العقارات وخسائر شركات توظيف الاموال وانهيار اسعار اسهم الشركات كانت سببا مباشرا في تنظيف جيوب وحسابات الافراد الذين تحولت شريحة كبيرة منهم الى فقراء يوجعهم العدم ولكن بصمت. ولايجد الشامسي مانعا لسعي الافراد طمعا في تحسين اوضاعهم المالية حيث يعتبر ذلك من الامور المشروعة شريطة ان تكون الوسائل المتبعة لذلك مشروعة ولا جدال حولها لكي لا تسفر عن نتائج سلبية كالتي حدثت الآن وافرزت العديد من حالات الفقر لاسيما في اوساط العاملين الذين يذهب جل دخلهم الشهري سدادا لديون البنوك ولا يبقى منه سوى القليل الذي يسدون به رمقهم يلبون بها احتياجاتهم الاساسية. وذكر ان نسبة كبيرة لايستهان بها من المواطنين تقيدهم البنوك بالديون الباهظة التي اقترضوها في وقت سابق واودعوها شركات توظيف الاموال سعيا وراء الارباح الكبيرة وهم الآن مطالبون بسدادها مما يجعلهم غير قادرين على الايفاء بالتزاماتهم العائلية فماذا تقول عن اب يهرب من منزله ظهرا حيث لا يستطيع ان يواجه ابنته وهي تهم بالخروج الى الجامعة وتحتاج الى مبلغ 50 درهما كمصاريف اسبوعية, وكم من اخبار تفيد بأن اسرا يعتمد افرادها على وجبات طعام من العدس والارز وكذلك البسكويت وقطع البطاطا الخفيفة, بل تتضح الصورة المأساوية التي رسمتها شركات توظيف الاموال في ذاك الرجل المحترم الذي وقف امام موظف بنك صغير ليسمع منه كلاما جافا حطم هيبته وكبرياءه ليس لشيء سوى انه حاول سحب خمسمائة درهم من رصيده الخالي ليشتري بها طعاما لاسرته, ويتساءل الشامسي وهو باحث اقتصادي مرموق كيف يمكن ان تتصور الابعاد النفسية والاجتماعية وحتى الاخلاقية حينما يتصدع المجتمع بسبب ازمة مالية حدثت بفعل غياب القوانين والتشريعات والرقابة الحكومية على مؤسسات وهمية تلاعبت بالناس واوقعت بهم الى مصير صعب الخروج منه, هل نتصور الضغوط النفسية التي يعاني منها الدائنون للمصارف ولبعض الافراد وكثيرا ما تدفع الى السجون والانتحار! انها حقا مأساة حقيقية لا يشعر بها الا من اكتوى بنارها وعانى من ضغوطها. اشاعة تم ترويجها عبدالله جمعة علي الرديمي قال ان سعيه للاستثمار في شركات توظيف الاموال جاء في اعقاب الاشاعة الواسعة التي تم الترويج لها بشأن الارباح الضخمة التي تمنحها الشركات للمساهمين فيها, ففي خلال فترة بسيطة قمت بجمع مبلغ 55 الف درهم واودعتها حساب شركة التوظيف وفي غضون شهرين تسلمت منها قسطين من الارباح كانت قيمة الواحد منهما 2480 درهما ولكن لم تستمر الشركة في صرف الارباح وعندما حاولت الاتصال بها كانوا يتهربون من الرد على اتصالاتي الهاتفية. واضاف انه كموظف يتقاضى راتب 3500 درهم ولديه اسرة مكونة من 11 شخصا يعاني مشقة معيشية قاسية ولا امل في الخلاص من تلك المشكلات الا بعودة المبلغ الذي ضاع في شركة توظيف الاموال. محمد حسن محمد الذي ساهم بسهم واحد في شركة توظيف الاموال ذكر انه كان يسعى لتحسين اوضاعه المالية ولكن اماله المنشودة ضاعت هباء بعد شهر واحد من ايداع المبلغ نقدا في حساب الشركة وقال لم يبق لنا الآن سوى الجلوس على مقاعد الانتظار طمعا في الفرج من عند الله ثم في تحرك المسؤولين ومساعي الخيرين لانقاذ المواطنين المتضررين في شركات توظيف الاموال. جمعة خميس ــ موظف متقاعد ـ يقول انه اودع كل مستحقاته التي حصل عليها من فترة خدمته الوظيفية لدى شركات توظيف الاموال منها 110 آلاف درهم في شركة تتخذ من ابوظبي مقرا لها و60 الف درهما في شركة اخرى بالشارقة. واردف قائلا: لقد كان الغش والاحتيال واضحا في تعامل تلك الشركات بدليل ان الشركة التي في ابوظبي تسلمت منه المبلغ رغم انها كانت متوقفة عن العمل لاكثر من 15 يوماً دون ان يخطره الوسيط بذلك. اغراء ونصب ويقول سعيد خلفان ان شركات توظيف الاموال اغرت المواطنين بالارباح وعندما تكالبوا عليها نصبت عليهم ولم تترك لهم شيئا. وقال ان ابنه كان احد ضحايا الشركات عندما استدان مبلغا من البنك واودعه لدى شركة بالشارقة تعرضت للافلاس قبل ان تصرف له الارباح. جاسم محمد غريب قال ان اعدادا كبيرة من المواطنين والمقيمين فقدوا كل مدخراتهم عن طريق شركات توظيف الاموال مبينا ان بعض المتضررين باعوا املاكهم لكي يغطوا ديونهم البنكية. وذكر ان من المهم التفكير في خطة عمل لانقاذ المتضررين قبل ان تؤدي المشكلات المالية المزعجة التي تعاني منها الاسر الى زعزعة تماسك المجتمع. تحقيق ــ سليمان الماحي