يبدو انني ومعاتبي على وفاق كبير فيما ذكرته عن موضوع نفض الغبار عن بعض المؤسسات بالدولة, ولكن خلاف الرأي لايفسد للود قضية , شرفتني رسالتك الكريمة على E.mail (البيان) عندما استهللت فيها بقولك: (أنا من قرائك المتابعين, أنا من الجيل الذي يعاني من مثل هؤلاء) . وعتبك المنصب على (لكن لماذا نخوفهم بالازاحة, لماذا ننفضهم هم, لماذا لا نقترح أن ننفض ما في عقولهم من غبار, ويبقون يا أخي يبقون في مراكزهم, المهم تحقيق هدف التطور, وهنا سنفكر بطريقة أخرى, طريقة التدريب والتطوير الاداري, وهنا نستنجد بالكبار ونضع الخطط اللازمة) . ثم تواضع قارئي قائلا: (صحح أخطائي أرجوك وعلمني ولا تبخل عليّ بالرد, والسلام) . هذه خلاصة الرسالة الموجة لي ولا اعتبر بأنها رد على الزاوية الماضية بقدر ما هي امتداد سليم لها على طول الخط, وذلك عندما أجد من لديه الوجه الآخر للعملة الواحدة التي أتعامل معها, أكون بهذا الاكتشاف قد حققت جزءا لا بأس به من الهدف الذي أصبو اليه في المواضيع المختلفة التي طرحت على مدار السنتين الماضيتين, أما جوابي عن تساؤلاتك فإني أوجزها أولا في كل ما طرحته في رسالتك من أفكار صحيحة, ولا غبار عليها من حيث المبدأ, أما من الناحية التطبيقية فهنا يختلف الاجتهاد من شخص الى آخر, وهذا في حد ذاته اثراء لكل المواضيع التي تحتمل أكثر من وجه ولا أقول وجهين فقط. فنفض الغبار عن العقول ليس مهمة سهلة وبالذات لدى الأشخاص الذين شبوا على ما شابوا عليه, ومن يغلب طبعه تطبعه, ومن يفقد الشيء فكيف يعطيه, ومن جعل من غبار السنين جزءا لا يتجزأ من مزاجه التكويني, بحيث يعتبر نفضه جزءا من التنازل عن المبادئ التي لا يريد التخلي عنها. فهؤلاء يرون أنفسهم أكبر بكثير من التدريب والتطوير الاداري لأنه في اعتقادهم يملكون مفاتيح هذا الأمر من الألف إلى الياء ومن يأتي بعدهم يعتبرونه طفلا مدللا يتسلى معهم بألعاب التدريب من أجل التطوير, بل ويعتبرون هؤلاء ايضا لا يعرفون حاجات مؤسساتهم الفعلية لأن هذا الذي مضى عليه سنون عددا من العمل في زاوية واحدة حادة جدا بحيث يجرح بأضلاعها كل من يأتي بجديد كأنه بدعة ادارية لايجب السماح لها بالمرور على هذا المكان الذي ظل يحتكره منذ فتح عينيه على العمل الاداري. اما الازاحة التي تخوفت لهم, فهي بشروط ادارية كريمة لا تخدش مكانتهم في المجتمع لأنهم يعدون من أصحاب بيوت الخبرة فيما قاموا به من أعمال فلا نبخس لأحد منهم حقه, ولا نرضى لهم تشهيرا ولا تقليلا من شأنهم لأننا نملك من أدوات التربية والآداب الجميلة ما تأنف بها نفوسنا عن الاضرار بالكبار ولو معنويا فهم كبار في أعيننا وسيظلون كذلك. ومع ذلك كله فسنة الحياة هي التغيير, وبقاء الشيء على ما هو عليه لا يتناسب مع هذه السنة الكونية, فعلى مدار التاريخ الانساني هناك فئة مهما كان عددها يسيرا تقف دائما ضد التغيير ولو كان الى الأحسن لأنه في نهاية المطاف لابد من تسليم الراية لغيرها والا تعرض المجتمع الى موجات من الجمود في التفكير والعقول بحيث تعجز تلك العقول عن ممارسة العقلانية المطلوبة في مثل هذه الحالات التي تجري علينا وعلى غيرنا, فسفينة الحياة تمخر عباب البحر بأمواجه المتلاطمة فمن كان ينجو في السابق بمجدافين, فقد لاينجو اليوم بالآلات الحديثة التي تسيّر تلك السفن ومع ذلك لم يقل أحد بالعودة الى المجاديف لضمان السلامة فالصحيح هو اختراع الأصح.