لم تكن صدفة ان يصبح معسكر الامارات للاجئين الالبان في كوكيس, هو الافضل على الاطلاق, وليست الانجازات التي تحققت في المعسكر, رمية من غير رام, وانما وراء الانجازات شىء اكبر من الدعم المالي الذي وفرته الدولة, واعظم من الخدمات المتعددة بالمعسكر, والتي اشتملت على الطعام والايواء وما الى ذلك من اشياء مادية, وتضمنت ايضا الجوانب المعنوية كالملاعب الرياضية والمدرسة.. وراء الانجازات اصالة شعب ذي ثقافة عريضة وقيم أصيلة توارثها جيلا بعد جيل. فأسمى شىء في معسكرنا ان الايادي البيضاء, تعرف قبل ان تعطي, ان ترحم, وقبل ان تمنح ان تربت على الرؤوس المتعبة وتكفكف الدموع الحزينة. ويتجلى هذا الامر, اكثر وضوحا في ادارة شؤون اللاجئين بالمعسكر, وفي اساليب التعامل الانسانية التي ينتهجها العاملون بها والقائمون عليها مع اللاجئين.. فالادارة في واقع الامر تمثل الجهة الاكثر اقتراحا من اللاجيء, وهي حلقة الوصل بينه وبين قيادة المعسكر, وهي ايضا التي تلبي كافة مطالبه واحتياجاته, منذ دخوله الى المعسكر, وطوال فترة مكوثه به. الرحمة أولاً وحول طبيعة عمل الادارة يقول المقدم الركن سعيد عبد الله النعيمي نائب قائد المعسكر لادارة شؤون اللاجئين: منذ اللحظة الاولى لبناء المعسكر كانت هناك توجيهات حاسمة من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة, بضرورة اتباع الاساليب الرحيمة في التعامل مع اللاجئين, وبالعمل على ان يكون القائمون على المعسكر يدا رحيمة تستوعب اللاجئين المشردين الذين فقدوا الامن والوطن ولم يعد لهم من يعينهم الا المؤمنين بمشكلتهم, الرفقاء بحالهم ومأساتهم. وحقيقة الامر ان القائمين على المعسكر, التزموا التزاما كاملاً مطلقا بهذه التوجيهات, وثابروا وتكبدوا الكثير من العناء والجهد, حتى يخففوا قدر استطاعتهم من حدة المأساة على اللاجئين. طبيعة شعب ويرى المقدم سعيد النعيمي ان التزام ابناء الامارات بالتعامل الرحيم مع اللاجئين انما هو امر يمكن استيعابه في اطار الوعي بطبيعة شعب الامارات كشعب مسلم وعربي, تربى في مدرسة زايد الخير ونهل من نبع عطائه الانساني الذي لا ينضب. ويتابع حديثه حول مهام ادارة شؤون اللاجئين قائلا: تضم الادارة اربع لجان تتمثل في لجنة الايواء والاغاثة والشؤون الاجتماعية والتأهيل والتدريب وكذلك لجنة الخدمات والترفيه, وتختص كل لجنة بمجموعة معينة من الواجبات فلجنة الايواء والاغاثة تقوم باستقبال اللاجئين فور وصولهم وتأمين متطلباتهم الاساسية وحاجاتهم وتسكينهم وارسال المحتاجين لعلاج فورا الى المستشفى بالاضافة الى حصر عدد اعضاء الاسر ومن ثم صرف وجبات الطعام لهم, فيما تقوم لجنة الشؤون الاجتماعية بتنظيم اية لقاءات ودراسة مشكلاتهم وبحث امكانية تذليلها والاشراف على المحاضرات الدينية في المسجد. وتختص لجنة التأهيل والتدريب بمساعدة الحرفيين والموهوبين عبر توفير كافة المستلزمات التي تمكنهم من العمل وذلك بالتعاون مع جمعية الهلال الاحمر. وفي هذا الصدد تبحث اللجنة حاليا افتتاح مشغل لاعمال الخياطة وورش مخصصة للاعمال الحرفية, بعدما كثرت مطالب اللاجئين برغبتهم في العمل, ومازال الموضوع تحت البحث بالتعاون مع المنظمات الدولية, لكن الفكرة في عمومها تعتبر فكرة رائدة, حيث ستوفر للاجيء بالاضافة الى شغل وقت فراغه, الفرحة للحصول على عائد مالي نظير بيع منتجاته عبر معارض تقوم بتنظيمها والاشراف عليها جمعية الهلال الاحمر. كما تبحث اللجنة افتتاح ورشة ومدرسة لتعليم الاعمال الحرفية للرجال, بما يؤدي في نهاية الامر, الى جعل المعسكر, ليس مجرد مرحلة مؤقته, او مسكنا لحين عودتهم الى ديارهم, وانما الى جعله ايضا مرحلة ذات بصمة ايجابية ونقلة نوعية لمهاراتهم وخبراتهم بما ينعكس بالنفع عليهم. دوري طائرة واخيرا تأتي لجنة الخدمات والترفيه التي تقوم بالاشراف على الرعاية الطبية وبناء الملاعب وتنظيم المسابقات الرياضية للاجئين, ويجري العمل حاليا على تنظيم دوري في الكرة الطائرة التي يقبل عليها ابناء كوسوفو, حتى يجدون وسيلة رياضية لتفريغ طاقاتهم. وستقوم جمعية الهلال الاحمر بالاشراف على البطولة وستخصص كأسا للفريق الفائز, وتقرر ان يطلق على الفرق اسماء امارات ومدن ومناطق الدولة, كوسيلة لتعريف اللاجئين بدولة الامارات, وهو الامر الذي يبدون به اهتماماً كبيراً. التعامل بالحسنى وحول اساليب التعامل مع اللاجئين يقول: نظرا لان الادارة هي المخولة باستقبال اللاجئين الجدد, فانها تتعامل واياهم فور وصولهم من رحلة العناء, وهم في هذه الغضون يكونون في حالة هيستيرية نظرا لما يلاقونه على ايدي الصرب, ومنهم من يصرخ او يبكي او يحتد في الحديث, ولكن هذا لا يمثل دافعا لمبادلتهم الحدة بحدة, والعصبية بعصبية, اذ يقوم العاملون في الادارة في بداية الامر بامتصاص غضب اللاجيء, ثم الاستماع الى مشكلته, واخيرا مساعدته وتسكينه حتي تسكن ثورته ويطمئن قلبه. وحقيقة الامر ان نسبة قليلة من اللاجئين تغالي في مطالبها, خاصة العجزة وبعض النساء, غير ان التعامل حتى مع اولئك, يتم بالحسنى ودون عصبية, انطلاقا من قوله عز وجل: واما السائل فلا تنهر. اشادة دولية من جهته يقول الرائد سعيد حسن الحمادي: لقد حققت ادارة شؤون اللاجئين منذ استحداثها في معسكر الامارات قدرا كبيرا من الانجازات وقطعت خطوات واسعة على صعيد العمل الانساني, وهو الامر الذي ساهم في اشادة جميع المنظمات الدولية المعنية بالقضية بالاساليب الانسانية التي يقوم عليها العمل. فقدوم قوة اليد البيضاء الى كوكيس في الاساس, يستند على عوامل انسانية, وهو ليس محاولة لكسب صورة براقة عبر الدعاية ووسائل الاعلام, وانما هو محاولة للتقرب الى الله, ولاتباع الاصالة العربية التي تمثل اغاثة الملهوف وحمايته من اهم واسمى قيمها في الماضي والحاضر. ويضيف: ولذلك فان الادارة ستقوم خلال ايام وفي اطار مساعيها للارتقاء بأساليب عملها بادراج اسماء جميع اللاجئين بالمعسكر على موقع على شبكة الانترنت, بما يسهل السبيل امام اقاربهم وذويهم للوصول اليهم والالتقاء بهم, وهو امر يعتبر بالغ الاهمية لهم, حيث يسعون جميعا الى الالتقاء بذويهم الذين تشتتوا في البلدان. كما تعاقدت الادارة مع احدى شركات تحضير الاغذية العالمية لتوفير ثلاث وجبات يومية للاجىء بحيث تضم الوجبة الواحدة فضلا عن الطعام الساخن خضروات طازجة ومشتقات البان وبروتينات حيوانية او نباتية حتى يحصل اللاجىء على طعام صحي ومتوازن. وستبدأ هذه الشركة في الاشراف على برنامج الغذاء بالمعسكر اعتبارا من الاسبوع المقبل. وتسعى الادارة الى تكثيف جهودها للاتصال بمختلف مؤسسات الدولة ورجال الاعمال من اجل جمع المزيد من التبرعات لصالح اللاجئين, وهو الامر الذي اثمر مؤخرا عن تبرع موظفي دائرة الهجرة والجوازات بدبي براتب يوم من كل منهم لصالح المعسكر. حالات انسانية مؤثرة وحول اكثر الحالات الانسانية صعوبة وتأثيرا والتي تعاملت معها الادارة يقول: الحالات كثيرة, وهناك لاجئون يتوافدون بعد تعرضهم لضرب مبرح وتعذيب شديد تظهر اثاره على اجسادهم, ولكن هناك اسرة جاءت مؤخرا تضم نحو 15 فتاة تتراوح اعمارهن ما بين الثالثة عشرة والثامنة عشرة, وذلك في وقت متأخر من الليل, الامر الذي استوجب استنفار جميع العاملين بالادارة وايقاظهم لانهاء اجراءات ادخالهم الى المعسكر, بما يتفق مع القيم العربية التي تحث على حماية الاعراض وصيانتها, خاصة ان المعسكر يقع في منطقة تعتبر بعيدة نسبيا عن العمران, وهي معرضة لجماعات الجريمة المسلحة او قطاع الطرق. وفي حقيقة الامر, ان الادارة سواء في اجراءاتها لتنظيم المعسكر, او في اجراءات ادخال اللاجئين تضع المعايير الانسانية على رأس الاولويات, الى درجة انه تم مؤخرا, بناء مظلة لوقاية اللاجئين من حرارة الشمس خلال انتظارهم في الصباح لانهاء اية معاملات او تلبية اية طلبات قد يحتاجون اليها. العطاء بلا حدود ولم يقتصر عطاء الايادي البيضاء على اللاجئين داخل المعسكر فقط, وانما امتد ايضا ليشمل الذين يتوافدون يوميا من كوسوفو, حيث نقدم لهم يوميا وجبتين ساخنتين, بالاضافة الى الملابس والبطاطين التي تقيهم من الرياح التي كثيرا ما تقسو في كوكيس ليلا. ويقول الملازم محمد عبد الله بن ثالث: عقب استكمال المعسكر وتسكين كافة خيامه, لم ترغب الادارة الاكتفاء بذلك, انطلاقا من الايمان بأن المهمة انسانية, وان العمل الانساني ينبغي الا تحده حدود الموقع والمكان, ومن ثم تتحرك السيارات من المعسكر يوميا لتوزيع وجبتين ساخنتين على نحو 3000 لاجىء من اللاجئين المنتشرين في خيمة المفوضية العليا للاجئين, في وسط كوكيس, وفي احد الجراجات المهجورة, وفي الخيام الكثيرة المنتشرة بمختلف حدائق البلدة. ومن اهم الملاحظات التي يشعر بها فريق العمل اليومي, ان اهالي البانيا واللاجئين معا يعرفون سيارات المعسكر ويرحبون بالامارات, وان وعاء الطعام الذي يضم وجبات لنحو 3000 لاجىء قد يطعم 6000 لاجىء دون ان يفرغ, ولا يوجد اي تفسير منطقي لهذا الامر, ولكن التفسير الوحيد المتاح هو ان هناك بركة يضفيها رب السماء على العمل, لانه في الحقيقة عمل يستهدف وجهه عز وجل. ويؤكد في ختام حديثه ان ادارة شؤون اللاجئين تمثل ثمرة متميزة لتفاهم العاملين في الهلال الاحمر والقوات المسلحة معا, والوعي بطبيعة المهمة التي يجب القيام بها في كوكيس, والسعي لاهمية التوازن والاهتمام بتقديم صورة مشرفة للانسان ولعطاء الامارات قيادة وشعبا. كوكيس ــ محمد مصطفى موسى