سئلت شخصيا عن مدى قناعتي بما أكتب يوميا في هذه الزاوية, وعن تأثيرها في تغيير مجريات الأمور في المجتمع وفق ما نطالب به أحيانا تحت ضغط هذه المساحة الضيقة لطرح كل شيء, وهو سؤال هام جدا وهو أهم من أي موضوع في الزاوية ذاتها لأنه مجرى للبناء العام في المجتمع. وأحيي في هذا السائل وأشد على يديه بكل قوة لأن هذه الروح من المسؤولية المشتركة تثير في الكاتب حب الاستمرار في العطاء والتواصل في جس نبض المجتمع, بل حتى نبض قلوب الناس الذين يغارون على مقدرات الدولة من الانفلات أو الهدر في غير مكانه, ونحسب ان هذا الشعور الصادق من قبل قراء الزوايا في الصحف المحلية لما يطرح من قضايا الوطن العامة, وان كانت بسيطة أحيانا, لدليل قوي على ان الفائدة المرجوة من هذه الكتابة الصحفية, قد تحققت جزئيا لدى القارئ الحريص على المتابعة لكل ما يكتب من قبل جميع الكتاب دون التمييز بين كاتب وآخر, لأن الخيط المشترك واضح جداً بينهم, أما المفاضلة بين شخص الكاتب وآخر فهذا يعود إلى الحرية التامة لكل قارئ على حدة, وفي هذا من المنافسة البرىئة ما يشرح الصدر لمزيد من الثقة في ان القراء معنا. ونطمئن من يحمل هذا الهم في ذلك السؤال الهام مرة أخرى, ان استجابة المسؤولين في كل دائرة على حدة أمر مشرف, وهم يعلمون تمام العلم بأن (كثرة الدق تفج اللحام) , اما عن قناعة تامة كذلك لهؤلاء أو عن ضرورة التغيير لمواكبة متطلبات الحركة الأساسية للمجتمع وليس الأمر بالضرورة رضوخاً لرأي كاتب معين, وذلك حتى لا يقال بأن فلان كتب وعلان قد استجاب على الفور. ونحن لسنا من طلاب هذه الاستجابة الفورية اطلاقا لأن مصلحة الوطن لا يحددها كاتب بعينه وانما هناك من أهل الرأي والمشورة ان صح التعبير, اهل الحل والعقد والربط وأولي الأمر, من لهم اليد الطولى في حدوث التغيير المنشود في الوقت المناسب, ونرى بأن المسألة متروكة للوقت وليس للعشوائية. ان المثالية المفرطة في الكتابات هي التي تصيب القارئ والكاتب بالصدمة عندما يرى ما يُكتب غير ما يُفعل, وهي مسألة قديمة قدم التاريخ الانساني الغابر, وما دام الأمر لم يخترق الخطوط المحظورة من المحرمات القطعية في الثبوت والدلالة بحيث يمارس الكاتب عكس ما يكتبه, أما القضايا الحياتية اليومية الداخلة في بند الاجتهادات التي تحرك ما هو راكد أو جامد في المجتمع فلا خير من وقوع أي كاتب في هذا المطب الذي لا يتحمل جريرته وحيداً لأنه ابن بيئته ويتأثر بكل ما يطرح فيها من مشكلات تمس جوهر المجتمع. مع ذلك يحاول الكاتب قدر الامكان تضييق الفجوة بين تناقض الأقوال مع الأفعال في كل شؤون الحياة وهو العلاج الصحيح, أو الاجراء السليم لضمان المصداقية الواقعية ومسايرة الامانة الملقاة على عاتق أي كاتب يتصدى يوميا للهم العام في المجتمع. ولا نتصور يوما بأن الانقطاع عن الكتابة حل مجد, لعدم الوقوع في حفرة ما يدخل أحيانا ولو ظاهريا في باب التناقض الذي يخشى البعض من نتائجه السلبية. إذا اعتبرنا جدلا بأن الزاوية اليومية تتشابه مع قطرات الماء التي تتساقط على الصخور الجلمودية الصلدة, فان من الحجارة لما يتشقق فيخرج منه الماء, فالأيام حَرِية بأن تؤثّر في شق طريقها بين الحجارة الصماء, ونظريات الجيولوجيا كثيراً ما أثبتت هذه الحقائق, وهذا في أقصى الاحتمالات, ولكن في بعض القضايا التي تطرح يكون الأمر أهون بكثير من صلابة تلك الحجارة التي تحتاج الى ملايين السنين حتى تتأثر أو تتغير. ولو كان الأمر بهذه الصلابة لما توانينا عن المطالبة اليومية ورش تلك الحجارة بقطرات من الماء الرقراق من أجل هذا الوطن الغالي على قلوبنا, والأهم من كل ذلك الا تصاب العقول بداء صلابة الحجارة الصماء.