اعتبر نفسي من قدماء المتابعين للبرامج الاذاعية في الدولة وخارجها, فاذا قلت بأنها بدأت مع تكوين شخصيتي بشكل عام فلا اكون مبالغا في ذلك, ولا اعتقد مع وجود وسائل الاعلام الاخرى وارتباطها بالتقنيات الجديدة بأن تأثيرها في المستمع سوف يقل عن السابق , وكل ما سيحدث ان المستمع سوف ينتقل الى المحطات الاخرى للبحث عن الافضل سواء في مجال الترفيه او الجد البعيد عن الهزل. اذاعاتنا المحلية على وجه العموم ليست جامدة اذا ما قسنا ذلك بالوقت الذي تفتحت آذاننا عليها منذ النشأة الاولى, وهناك تطور ملحوظ إلا انه بمقياس الزمن فهو بطيء نسبيا من ناحية اندماجه في عملية الحراك الاجتماعي لتطور المجتمعات التي تفتحت على بعضها البعض من خلال كافة الوسائل الاعلامية المتاحة. فلا ترى مثلا في المجتمعات التقدمية بأن الاذاعة تتحدث في واد والمجتمع يتحرك في حديثه العملي في واد آخر, وبمعنى آخر يمكن ان نرى نبض المجتمع المحلي لديهم على لسان المذيعين مباشرة دون لف او دوران حول اي مستجد يطرأ على الساحة في المجتمع من احداث وقضايا او مشكلات وحلول ايجابية او سلبية. لا نريد من الاذاعة فقط ان تكون صوتا للاعلان عن جديد المطربين والمطربات فقط, بل لابد ان يتم التوازن للحديث عن كل جديد يخص كل طبقات وفئات المجتمع في كل نواحيه ويتم البحث عنه والحديث حوله وتكثيف اللقاءات التحليلية والتعليقات المفيدة حتى تمضي برامج الاذاعة المنوعة في نسيج متناغم واحد. وسأركز حديثي اليوم حول البرامج الخاصة بقراءة مقتطفات من الصحف المحلية اليومية, وهي قراءة موفقة ومفيدة لكل من يفوته القيام بالاطلاع على الصحف اولا بأول, أو يتأخر في قراءة الصحف الى الفترة المسائية. ومن خلال متابعتنا اليومية لفحوى تلك القراءات وجدنا هناك خطأ كبيرا في مفهومنا يقع فيه المذيع عندما يجتهد في التعليق على الخبر الذي يجب ان يقرأ مجردا عن التعليق اولا, او يتحتم الالتزام بالتعليق المناسب لكل خبر على حدة, وهذا التعليق يجب كذلك ان يكون معدا سلفا ولا يترك للمذيع الاجتهاد فيه لانه يقع في الجد وقت الهزل او الهزل في وقت الجد واحيانا يخلط التعليقين ولا يستفيد المستمع منهما في شيء, بل هو اقرب الى الاستهجان منه ورفضه لهذا الاسلوب. يفترض ابتداء ان يقرأ الخبر الصحفي عبر الاذاعة مجردا عن التعليق وان كان ولابد فيمكن للاذاعة استحداث برنامج يسمى مثلا خبر وتعليق في اي مجال كان هذا الخبر بحيث يفصل هذا عن التقرير اليومي وعرضه للصحف السيارة في الدولة. والاهم في هذه الناحية ان تتم قراءة الخبر بطريقة صحيحة من حيث مخارج الحروف ونقاط الوقوف وعدم الاستعجال لان المخرج مستعجل او وقت البرنامج ضيق وابراز محطات الاستفهام والتعجب وادوات اللغة العربية كلها اثناء القراءة وهذا هو الذي يقدم مذيعا على آخر في ادائه اليومي لهذا النوع من البرامج الهامة. تدخل المذيع في الخبر يفترض ان يكون محدودا جدا لانه ليس صاحب الخبر المذاع, فهو ناقل والناقل يجب ان يلتزم الامانة في النقل, والتدخل المخل يخل بأمانة النقل المجرد. وهذا الامر يختلف اذا كانت القراءة تحليلية وهذا ما لا نجده في قراءات الصباح الباكر, وليس مطلوبا اصلا للوجبة الصباحية الاولى التي يجب ان تكون على طريقة الكورن فليكس وليس الغداء الدسم. هناك اجتهادات جيدة لمذيعينا لتقديم افضل ما عندهم لنا نحن المستمعين, ولكن هذه الاجتهادات الجادة بحاجة الى صقل دائم, وهذا لا يحدث إلا عن طريق دورات تدريبية مكثفة وزيارات ميدانية الى محطات الاذاعات الاخرى سواء كانت في الدول العربية او الاجنبية للاطلاع على التجارب الناجحة فيها وتعلم الجديد من الاساليب المشوقة التي تجذب المستمع دائما الى نبرة المذيع وحشرجة صوته الجهوري غير المزعج والدافىء ان كانت مذيعة. يبدو ان الصقل عن طريق التدريب العملي والاطلاع المستمر لم يأخذ طريقه الى خبرات المذيعين العاملين في كافة محطاتنا الاذاعية وكأن وضعهم يشبه من رمي في البحر, وقيل له هيا اسبح, وقد ينجو بهذا الاسلوب واحد او اثنان من الغرق, ولكن نجاة الجميع أمر غير مضمون.