ونحن نتوجه نحو عصر جديد يشهد متغيرات مستمرة ومتلاحقة في اهداف واساليب التعليم, ومع تحديات الحاضر الهائلة والموارد المحدودة بينما لدينا وفرة من العقول, وبشر قادرون.. نتساءل.. بأي اسلحة نواجه هذه المتغيرات ؟ كان التعليم ولا يزال وسيظل على قائمة الاولويات في دول العالم بشكل عام, وفي الدول العربية بشكل خاص, ففي العشرين عاماً الماضية شهدت العملية التعليمية توسعاً كبيراً, وحققت تقدماً هائلاً بالنسبة لالتحاق اعداد متزايدة بالتعليم, وخاصة بعد المؤتمر العالمي الذي دعت اليه منظمة اليونسكو, وشاركت فيه جميع دول العالم وكافة المنظمات الدولية والاقليمية, والذي توجه نحو زيادة الالتحاق بالتعليم ومؤسساته, وهذا يؤكد ان التعليم في الوطن العربي تقدم مرحلة كبيرة, ولكن ما وصل اليه لا يأتي بالنتائج التي نحن بصدد الحديث عنها في هذه المرحلة بالذات. واذا قارنا الدول العربية بالاجنبية, نجد ان ما تنفقه الدول العربية على التعليم اكثر من مخصصات الدول الاخرى, ورغم ذلك فإن ناتج هذا الانفاق وناتج التعليم نفسه لا يوازي نوعياً ما هو ناتج من الدول الاخرى, اي ان الانفاق لم يحقق الهدف منه, وربما يعود ذلك الى الكثير من التحديات التي تواجه المنظومة التربوية في مختلف هذه البلدان. في مطلع هذا القرن كان التعليم كيفيا وكان الاهتمام بالمستوى امراً مهماً, لان الاعداد في ذلك الوقت كانت محدودة, وعندما بدأت العملية التعليمية تشهد اقبالاً كبيراً, فتحت الابواب على مصراعيها دون تهيئة مدرسين مؤهلين, واصبحت هناك توسعة كمية مما ساهم في تدني المستوى, حتى ان نظرة المجتمع للمعلم ذاته اختلفت, الامر الآخر يتعلق بالمحتوى وتكوين الانسان بالصورة الصحيحة, فالتعليم اصبح رقمياً اي يهتم بالكم, واصبح الحصول على الشهادة امراً ملحاً لضمان العمل, خاصة العمل الحكومي. ونحن نتحدث عن العملية التعليمية نتحدث عن الموارد والاستراتيجيات والآليات التي يجب ان توضع لتوفير موارد للانفاق على التعليم خاصة اذا علمنا ان دول مجلس التعاون سوف تحتاج في عام 2015 الى ما يعادل 54% من ميزانية دول المجلس مجتمعة للانفاق على التعليم, وهذا الرقم الكبير يفرض علينا تساؤلاً وهو, كيف يمكن لهذه الدول توفير هذه الميزانيات؟ واذا علمنا ان ميزانية الدولة للتربية والتعليم في عام 1988 كانت ملياراً و900 مليون درهم وفي عام 1998 كانت 3 مليارات و700 مليون درهم, فلا بد لنا من ان نتساءل ايضاً, بالرغم من هذه الزيادة في الميزانية الا ان مخرجات التعليم ليست بالمستوى المطلوب.. لماذا؟ بل ونتساءل اين تذهب هذه الميزانية ومؤسساتنا التعليمية ــ مدارس التعليم العام ــ بهذ الفقر في المنشآت والمرافق والتجهيزات؟ واذا كانت ميزانية وزارة التربية والتعليم لا تقل أهمية عن ميزانية وزارة الدفاع, واذا كان تسليح الشعوب بالعلم والمعرفة لا يقل أهمية ان لم يفق تسليح الجيوش بالاسلحة والمعدات الحربية فهل يحق لاية حكومة ان تخفض من ميزانية وزارة التربية والتعليم لتقليص العجز في ميزانيتها؟ حول تعرض العملية التعليمية لسهام الخلل في توزيع ميزانية التربية والتعليم, وعن محاولات تقليص الميزانية, ونوعية مخرجات التعليم دارت ندوة (البيان) والتي اقيمت الاربعاء الماضي تحت عنوان:(خفض الانفاق التعليمي واثره على العملية التعليمية) وادارها الدكتور عبدالله العوضي رئيس قسم البحوث والتخطيط بحضور رؤساء الاقسام, وقد شهدت الندوة مناقشات جادة حول العملية التعليمية وتفاوتت فيها الآراء فهناك من نادى بالبحث عن مصادر اخرى للتمويل بينما رأى البعض الآخر انه مع هذه الميزانية يمكننا تخريج ناتج جيد.. فقط علينا استغلال الميزانية بشكل جيد وان يكون هناك استراتيجيات تحدد جوانب الانفاق ومدى الاستفادة منها, وتم ايضاً خلال الندوة التي حضرها نخبة من المتخصصين طرح بعض تجارب الدول الاخرى للخروج من أزمة الميزانيات واستغلال اقل الامكانيات. لغة الارقام اثرى د. سعيد حارب الندوة ببعض الاحصائيات والأرقام التي تحدثت عن واقع دولة الامارات ودول مجلس التعاون الخليجي التعليمي, حيث قال ان موضوع التعليم ليس مرتبطاً بالميزانية, وان كانت الميزانية تثير الاهتمام, الا ان موضوع التعليم يرتبط بأرقام ومؤشرات تدل على ان الانفاق على التعليم هودون المستوى العالمي, بل ودون مستوى بعض الدول الشقيقة, وليست هناك حلول جاهزة خاصة وان العملية التعليمية ليست لها نتائج مباشرة, اي ان اية نتائج لاية مشكلة في التعليم او اية ظاهرة ايجابية لا يبرز خلال فترة قريبة, وانما تبرز على المدى البعيد, واذا بدأنا بالبحث في مشكلة التمويل ربما لا نشعر بآثارها الآن وانما بعد عشر او خمسة عشر عاماً. استعرض د. سعيد حارب بعض الارقام والاحصائيات التي جاءت في الوثيقة التي اعدتها لجنة استشراف مستقبل التعليم لدول الخليج والمشكلة من اصحاب المعالي وزراء التربية والتعليم بدول المجلس, والتي قدمت خلال مؤتمر وزراء المعارف والتربية والتعليم الذي عقد في ابريل الماضي. اشارت الارقام الى ان مجموع سكان دول مجلس التعاون الخليجي المتوقع عام 2000 سيصل الى 32 مليوناً و513 الف نسمة تبلغ نسبة المواطنين منها 20 مليوناً و144 الف مواطن, وفي عام 2005 ترتفع النسبة الى 39 مليوناً و548 الفاً منهم 23 مليوناً و969 الف مواطن, وعام 2010 تصل الى 46 مليوناً و869 الف نسمة منهم 28 مليوناً و565 الف مواطن وفي عام 2015 سوف تبلغ نسبة السكان 54 مليوناً و794 الف نسمة تبلغ نسبة المواطنين منها 33 مليوناً و946 الف بينما نسبة الوافدين 20 مليوناً و848 الف, مع ملاحظة ان هذه النسبة العالية من المواطنين هي فقط من ثلاث دول خليجية هي السعودية وعمان والبحرين في حين ان الدول الاخرى الخليجية ترتفع فيها نسبة الوافدين على المواطنين ففي الامارات سوف تبلغ نسبة المواطنين عام 2000 ــ 700 الف نسمة من مجموع 2 مليون و900 الف, وفي عام 2005 ترتفع النسبة الى 800 الف من مجموع 3 ملايين ونصف, وفي عام 2010 ترتفع الى مليون نسمة من مجموع 4 ملايين, بينما تصل الى مليون و200 الف من مجموع 4 ملايين و600 الف عام 2015 هذا اذا حافظنا على نسبة الزيادة في المواطنين والوافدين على ما هي عليه الآن لأننا نعلم ان نسبة زيادة المواطنين في بداية التسعينات كانت 5% بينما تصل حالياً 7.3% وهذا يعني ان تدفق الوافدين يزداد واذا لم نظل على نفس النسبة الموجودة حالياً فسوف نحتاج الى اعادة هذه الاحصائيات. تكلفة التعليم وحول التكلفة المتوقعة للتعليم في دول المجلس بشكل عام تقول الارقام انه في عام 1993 بلغت التكلفة 11 مليار دولار و700 مليوناً وفي عام 2000 ستصل الى 16 مليار و800 مليوناً دولار, وفي عام 2005 من المتوقع ان تبلغ 25 ملياراً و200 مليون دولار, وفي عام 2010 تصل الى 35 ملياراً و400 مليون دولار وتصل الى 50 ملياراً و200 مليون دولار في عام 2015 وهو ما يعني انها ستكون 54% من ميزانية الدول. اما في دولة الامارات ففي عام 1993 كانت التكلفة 4.654 مليوناً دولار وفي عام 2000 سوف نحتاج الى 4.734 مليوناً دولار, وعام 2005 سوف ترتفع تكاليف التعليم الى 9.931 مليوناً دولار, وتصل في عام 2010 الى 8.1216 مليوناً دولار, بينما ستحتاج العملية التعليمية من الانفاق عام 2015 الى 2.1719 مليوناً دولار. تطور الانفاق وبنظرة سريعة على الاحصائيات المقدمة نرى ان هناك تطوراً في الانفاق على التعليم في الدولة ففي عام 70 ــ 75 كان يشكل 9.0% من الناتج الاجمالي و2.3% من الانفاق العام من الميزانية, و76 ــ 80 بلغ 4.1% من الانفاق العام و3.4% من الميزانية, وفي 81 ــ 85 كانت نسبة الانفاق على التعليم 4.1% من الانفاق العام بينما بلغت 5.4% وفي 86 ــ 90 ارتفعت الى 2% من الانفاق العام و1.5% من الميزانية ثم انخفضت في 91 ــ 93 الى 9.1% من الانفاق العام و2.4% من الميزانية. توقعات اعداد الطلبة هناك بعض الارقام والدلالات تشير الى هذه المشكلة حيث سيبلغ عدد الطلبة من المواطنين في عام (2000) 281 الفا و989 طالبا وفي عام 2005 يرتفع قليلاً ليصل الى 296 الفا و952 طالبا وفي 2010 يصل الى 305 آلاف و155 طالبا, بينما يرتفع في عام 2015 الى 380 الفا و440 طالبا وطالبة. البحث عن بدائل وفي معرض حديثه اكد د. سعيد حارب انه لا يوجد خلل في الانفاق وانما هو خلل في توزيع الميزانية. لاشك ان ما قدمه د. سعيد من احصائيات وارقام قد اثار شهية السادة الحضور للحديث حول العملية التعليمية بالأرقام ايضاً وفي حين كان رأي د. سعيد ان الخلل يكمن في توزيع الميزانية وليس في الميزانية ذاتها رأى د. حنيف القاسمي ضرورة البحث عن مصادر اخرى للتمويل وتساءل هل سيظل الاقتصار على الحكومة في تمويل التعليم العام الحكومي, ام ستكون هناك ضرورة للبحث عن مصادر اخرى؟ ويقول انه ربما تكون هذه المصادر محدودة ولكن يجب ان يتقلص الاعتماد على الحكومة وقد تكون المصادر الاخرى التي نبحث عنها في مساهمة القطاع الخاص في جزء كبير من الانفاق, او ايجاد بدائل اخرى كالوقف وتجربة الاوقاف كانت وما زالت موجودة, ويجب ان يكون هناك نوع من الاستمرارية والضمان, والوقف ما زال موجوداً وناجحاً في التجربة الغربية. والحل كما يراه د. حنيف يجب ان يبدأ بتوفير وضمان حق كل مواطن في التعليم العام والجامعي, ولكن في ظل هذه الظروف يرى انه لن تستمرالدولة في هذا التحمل ويجب البحث عن مصادر اخرى, كذلك فإن التزام الدولة بتوفير التعليم لغير المواطنين والذين تبلغ نسبتهم اكثر من 40% من طلبة المدارس العامة يستلزم انفاقاً هائلاً وكبيرا فهل تتراجع الدولة عن توفير التعليم لهؤلاء ام عليها ايجاد بدائل وفرص اخرى لهؤلاء كمؤسسات تعليم اخرى كالتعليم الخاص وبالتالي يخف العبء على الدولة, وقد يخصص بدل تعليم لأبناء غير المواطنين كنوع من الحلول للخروج من هذه الأزمة لكن لا يتطلب نفس المستوى من الانفاق الذي يصرف على غير المواطنين في المدارس الحكومية حالياً. ثم يتساءل مرة اخرى د. حنيف حول ميزانية التربية والتعليم واين تذهب النسبة الكبيرة منها؟ هل تذهب للعملية التعليمية نفسها.. ام انها تذهب الى ما لا صلة له بالعملية؟ ففي الميزانية الاخيرة كما يقول وقبل الاخيرة نجد ان نسبة اكثر من 85% من اجمالي الميزانية للرواتب والباقي للمؤتمرات ومصروفات كهرباء وصيانة وغيره, وهذا يعد خللا يجب اعادة النظر اليه كي نحدد الاولويات والبنود التي يجب ان تنفق عليها الميزانية والى جانب قصور الميزانية عن مواكبة الزيادة في اعداد الملتحقين بالتعليم واحتياجهم الى فصول دراسية جديدة فهي كذلك لا تواكب الثورة المعلوماتية والتقنية الحديثة والارقام تبين ان نسبة كبيرة من المتوقع انفاقه على عملية التطوير سواء كانت منشآت او مناهج او مكتبات ومختبرات ربما تتراجع. هذه القضايا في ظل هذا الخلل الموجود في الميزانية, وما تطرحه وزارة التربية والتعليم خلال الرؤية 2020 او غيرها عن التطوير ربما ينسجم مع رسالة التطوير والتحديث الا اذا انتابها نوع من التغيير في الموارد المطلوبة.