ابتداء من هذا الاسبوع سيبدأ توافد الطلاب والطالبات على شتى مؤسسات الدولة للعمل وفق دورات تم التخطيط والاعداد لها مسبقا لاستيعاب كافة احتياجات هؤلاء وكذلك المؤسسات ذاتها . والسؤال الهام هنا يدور حول مدى جدوى هذه الدورات التي هدفت إلى شغل اوقات الفراغ لدى الشباب والفتيات والاستفادة من طاقاتهم الخلاقة لصالح المجتمع, وبما ان الدراسات العلمية غير متوفرة وفق ما لدي من معلومات الا ان الاجابة عن هذا التساؤل لابد ان تأخذ حيزا في هذا الاطار إلى أن تنتبه الدوائر البحثية إلى اهمية وجود طاقم بحثي يكون اهتمامه منصبا على الآلاف من الطلبة الذين ينخرطون في هذا العمل الايجابي رغم خروجهم من متاعب الامتحانات والمذاكرة المتواصلة ليل نهار ومع ذلك فالخير كل الخير فيهم دائما. يكفي الدليل الحاكم على هذا في تكرار والاصرار في التكرار من خلال المكالمات الهاتفية والزيارات الشخصية إلى مقر المؤسسات للبحث عن مقعد للعمل الصيفي وكأن الموضوع يتعلق بالتوظيف الفعلي وليس امرا مؤقتا بالصيف, وهذا الحماس محمود جدا في هذه المرحلة وهو عامل مساعد لما سيكون عليه الحال عند وقوف هؤلاء امام متطلبات العمل في المستقبل القريب. نأتي إلى تقييم التجربة وهي ليست جديدة في بعض مؤسسات الدولة, فجيلنا قد خاض هذا الغمار منذ اوائل السبعينات بالذات في اقسام الشرطة ومشروع زايد لتحفيظ القرآن وكذلك قطاع البنوك وكانت الثمرة من وجهة نظرنا مفيدة جدا لان الامر لم يتوقف على نقل ورقة من مكتب إلى آخر كما يظن البعض, بل كان العمل يدخل في الصميم بحيث يطلع المتدرب على الكثير من دقائق العمل الاداري اليومي فهو لا يختلف في هذا عن الموظف الدائم, أول فائدة يستفيد منها المتدرب الجديد ــ لأن هناك من يحاول الاستمرار في نفس الجهة لسنوات عديدة نظرا لحبه العمل في نفس القطاع, هو الاحتكاك المباشر بالعمل الميداني ومعرفة متطلباته العملية ومعالجة اوجه القصور أو النقص فيه أولا بأول عندما يرى المسؤول المباشر امامه كيف يتصرف على سبيل المثال في بعض اقسام مراكز الشرطة مع بعض المخالفين لانظمة السير والمرور اثناء عملية العفو أو الصلح بين الطرفين وطي الملف والغائه دون التعرض إلى مشوار المحاكم وغيرها من الجهات المعنية, بما ان هذه العملية لا يقرأ عنها في مقرراته الدراسية الا ان الرصيد الذي يتراكم لديه لمثل هذا العمل أو غيره يعطيه مجالا لاتساع آفاقه الحياتية وتوسيع دائرة نظرته إلى الحياة بصورة ايجابية اكثر مما هو مسطور في بطون الكتب. فيتعلم بعض طرق الادارة قبل ان يقرر الدخول إلى الجامعة لدراستها وقد يكون جزء من هذا التخصص العملي اثناء هذه الدورة القصيرة معينا له على اجتياز المواد العلمية التي يتم اقرارها في المنهج الجامعي أو غيره. لانه في كثير من الاحيان هناك نوع من الصدمة المعنوية يحس بها المتعلم بين ما يقرؤه أو يسمع عنه أو يدرس له في المراحل التعليمية المختلفة, وبين ما يشاهده بناظريه اثناء مروره المؤقت بدورات من العمل الصيفي, فيكون الحكم الفاصل هو في التجربة العملية وليس في الجانب النظري الذي يستبعد احيانا ظروف الواقع في كل مؤسسة على حدة ومع وجود المرشد الواعي لهؤلاء الطلبة يبتعد عن خيالهم شبح التناقض بين المعلومات المجردة والتطبيقات الحية لها.