بعد أربع سنوات من فضيحة (جنون البقر) وانتشار الفيروس الذي يسبب التهاب المخ والمسمى (انتيسفاليد) في لحوم وألبان الابقار البريطانية , والتي ثبت بعد ذلك انها كانت تصدر لكل أنحاء العالم خاصة الى دول العالم الثالث, تأتي فضيحة الدواجن البلجيكية التي تحتوي على نسبة عالية من مادة (الديوكسين) التي تسبب مرض السرطان. وقد لوحظ ان فضيحة (جنون البقر) لم تكن لها تداعيات قوية في البلدان العربية وخاصة في دول الخليج, وربما يرجع هذا الى انخفاض نسبة اللحوم المستوردة من أوروبا الى المنطقة, وان غالبية اللحوم تذبح حية في دول الخليج, وان كان هذا في الواقع ليس مبررا لاهمال القضية وعدم اتخاذ اجراءات المكافحة والوقاية المستمرة واليقظة دائما. أما فضيحة الدواجن البلجيكية فإنها أكثر وأشد أهمية وخطورة وخاصة بالنسبة لدول الخليج وذلك لسببين رئيسيين وهما, أولا ان هذه الدول تستورد كميات كبيرة من الدجاج من دول أوروبا المشتبه في انتشار مادة الديوكسين في لحومها, مثل فرنسا وهولندا والتي تستخدم مزارع الدواجن فيها أعلافا من صنع مؤسسة بليجكية, وهذه الأعلاف هي التي سببت تلوث لحوم الدواجن بمادة الديوكسين لاحتوائها على نسبة عالية من شحوم حيوانية قديمة. والسبب الثاني والرئيسي الذي يزيد من أهمية فضيحة الدواجن البلجيكية في دول الخليج ان جميع مزارع الدواجن (بلا استثناء) في دول الخليج تعتمد في الغالب على الاعلاف المستوردة من اوروبا. ويقول الخبراء ان احتمال احتواء هذه الأعلاف المستوردة من اوروبا بالتحديد على المواد المسببة لتلوث الدواجن بالديوكسين تزيد نسبته عن 50%, وخاصة ان تركيبة غذاء الدواجن في كل دول اوروبا واحدة وكلها تحتوي على نسبة شحوم حيوانية عالية. ونلاحظ ان ردود الفعل على فضيحة الدواجن الملوثة في دول الخليج تركز في غالبيتها على ضرورة تكثيف الرقابة والفحص على الدجاج والبيض, ولم نسمع عن اجراءات تتخذ تجاه أعلاف وغذاء الدواجن ورغم انها السبب الرئيسي للأزمة, وتستورد منها دول الخليج سنويا مئات الأطنان. وقد تم ضبط كميات كبيرة من الدجاج البلجيكي والفرنسي الملوث بمادة الديوكسين في العديد من الدول الاوروبية, وتم في اليونان مصادرة أكثر من اربعين طنا من لحوم الدجاج المستورد من فرنسا, هذا في الوقت الذي تمتلىء فيه محلات ومتاجر دول الخليج بالدجاج الفرنسي, ولا يستبعد ان يحدث مع الدجاج البلجيكي مثلما حدث مع لحوم الابقار المجنونة التي تم تصديرها الى مختلف دول العالم بعد ظهور فيضحتها عام 1996 تحت مسميات اخرى وعن طريق دول اخرى, ومازالوا حتى الآن في روسيا ودول اخرى يكتشفون وجود كميات من هذه اللحوم. والأمر في النهاية يستدعي فرض رقابة مشددة ومستمرة على منتجات لحوم الابقار والدواجن المستوردة من كل دول اوروبا, ورقابة أكثر شدة على الاعلاف المستخدمة في مزارع الدواجن في دول الخليج والتي يشير الكثير من المختصين الى احتمال احتوائها على التلوثات المذكورة. واذا كانت الدول الاوروبية نفسها تتعامل بقسوة وبشدة مع مثل هذه المسائل, ولدى الاتحاد الاوروبي (لجنة بيطرية دائمة) وهي هيئة سياسية متخصصة تتكون من كبار الاطباء البيطريين في الدول الخمس عشرة في الاتحاد, فإنه من الأولى تكوين مثل هذه اللجنة في دول مجلس التعاون ككل, وفي كل دولة خليجية على حدة. ويجب ألا نعتمد بشكل كبير على الاجراءات الوقائية التي تتخذ في دول اوروبا كحماية لأسواقنا, وتجربة لحم الابقار المجنونة أفضل دليل لنا على ان هذه الاجراءات لم تكن بالجدية الكاملة, وان المزارع وشركات انتاج وتصدير اللحوم تحايلت عليها بشكل كبير, وليس أسهل لدى المنتج سيىء السمعة من تغيير العلامات والأسماء التجارية وتوجيه منتجاته الى أسواق أخرى وتصديرها منها الى أسواق ثالثة ورابعة, وأسواق الخليج ليست في مأمن كامل, ولا توجد فيها ضمانات الحماية والوقاية الكافية ضد الممارسات غير القانونية في الأسواق العالمية.